لم يكن القرار الإثيوبي بتعليق اعتماد سفير حكومة بورتسودان لدى أديس أبابا، الدكتور عبدالغني النعيم، مجرد إجراء بروتوكولي عابر في العلاقات الدبلوماسية بين الدول، بل يحمل في طياته رسائل سياسية واضحة تعكس حجم التوتر المتصاعد بين الخرطوم وأديس أبابا في مرحلة شديدة الحساسية من تاريخ المنطقة.
فالخطاب الذي بعثت به الحكومة الإثيوبية إلى وزارة خارجية بورتسودان، والذي وُصف بأنه “شديد اللهجة”، لا يمكن قراءته بمعزل عن التعقيدات السياسية والأمنية التي تحيط بالعلاقات بين البلدين منذ سنوات، بدءاً من أزمة الحدود في منطقة الفشقة، مروراً بملف سد النهضة، وانتهاءً بالتحولات المرتبطة بالحرب السودانية الجارية.
رفض دبلوماسي بصيغة مهذبة
صحيح أن أديس أبابا استخدمت لغة دبلوماسية ناعمة عبر توصيف الخطوة بأنها “تعليق للموافقة المسبقة” على اعتماد السفير، لكن الأعراف الدبلوماسية تعرف جيداً أن مثل هذه الصياغات تخفي في جوهرها رفضاً سياسياً واضحاً.
فإثيوبيا كانت قد منحت موافقتها الأولية على تعيين عبدالغني النعيم قبل نحو ثلاثة أشهر، ما يعني أن التراجع عن القرار في هذا التوقيت تحديداً لا يرتبط بإجراءات إدارية أو بروتوكولية، وإنما بتحول سياسي في تقدير الموقف الإثيوبي تجاه السلطة القائمة في بورتسودان. ومن الواضح أن أديس أبابا أرادت توجيه رسالة احتجاج مباشرة دون الوصول إلى حد القطيعة الكاملة، وهو أسلوب تلجأ إليه الدول عادة عندما ترغب في ممارسة ضغط سياسي محسوب مع الإبقاء على هامش للحوار.
الحرب السودانية غيّرت الحسابات الإقليمية ولم تعد شأناً داخلياً، بل أعادت رسم توازنات الإقليم بأكمله، ودفعت دول الجوار إلى إعادة تقييم علاقاتها مع الأطراف السودانية المختلفة. وتدرك إثيوبيا جيداً أن استمرار الحرب يخلق واقعاً أمنياً هشاً على حدودها الغربية، كما يهدد بتوسيع دوائر الفوضى والنزوح والسلاح، وهو ما يفسر حساسية أديس أبابا تجاه طبيعة السلطة التي تدير المشهد في بورتسودان.
كما أن صعود نفوذ التيار الإسلامي داخل معسكر السلطة السودانية يثير قلقاً إثيوبياً متزايداً، خاصة في ظل تاريخ طويل من التنافس الإقليمي والحساسيات الأمنية بين البلدين. لا يمكن عزل القرار الإثيوبي عن الإرث الثقيل للخلافات الثنائية، وعلى رأسها النزاع الحدودي في منطقة الفشقة، حيث شهدت السنوات الأخيرة مواجهات عسكرية وتوترات سياسية حادة بين الجانبين.
كذلك ظل ملف سد النهضة واحداً من أعقد القضايا الخلافية في العلاقة بين الخرطوم وأديس أبابا، خصوصاً بعد تباين المواقف السودانية خلال السنوات الماضية بين التقارب مع إثيوبيا تارة والاصطفاف مع الموقف المصري تارة أخرى. وتبدو إثيوبيا اليوم أكثر ميلاً لاستخدام أدوات الضغط الدبلوماسي في مواجهة أي تحركات سودانية تعتبرها معادية لمصالحها الإقليمية أو مرتبطة بمحاور إقليمية منافسة.
أزمة ثقة تتجاوز السفراء في جوهر الأمر، لا تتعلق الأزمة الحالية بشخص السفير عبدالغني النعيم بقدر ما تعكس أزمة ثقة سياسية عميقة بين الطرفين. فالرسالة الإثيوبية تبدو أقرب إلى إعلان عدم ارتياح تجاه المسار السياسي والعسكري الذي تتبعه سلطة بورتسودان، خاصة مع استمرار الحرب وتعثر أي مشروع سياسي شامل يعيد الاستقرار إلى السودان.
كما أن استدعاء السفير السابق الزين إبراهيم عقب التوترات الحدودية شكّل مؤشراً إضافياً على هشاشة العلاقات الثنائية، وهو ما يجعل أي خطوة دبلوماسية جديدة قابلة للتحول سريعاً إلى أزمة سياسية.
المنطقة تدفع ثمن الانهيار السوداني
المؤسف أن السودان، الذي كان يفترض أن يكون جسراً للاستقرار والتكامل في القرن الأفريقي، أصبح اليوم أحد مصادر القلق الإقليمي. فكلما طال أمد الحرب، ازدادت عزلة السودان الخارجية، وتراجعت قدرته على إدارة علاقاته الإقليمية بصورة متوازنة، بينما تتحول الملفات الثنائية مع دول الجوار إلى ساحات توتر مفتوحة.
وإذا استمرت السلطة في بورتسودان في إدارة السياسة الخارجية بعقلية الأزمة والحرب، فإن السودان قد يواجه مزيداً من العزلة الدبلوماسية والتراجع الإقليمي في وقت هو أحوج ما يكون فيه إلى بناء شراكات مستقرة تعينه على الخروج من الكارثة الحالية.
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.