هذا ما يفتح الباب أمام تحرّك دولي أكبر ضد الانتهاكات، والرقابة العدلية الدولية تُقيّد الصفقات والاستثمار في الأزمة السودانية لصالح دول بعينها.
طيف أول:
للنور الذي ارتبك منه زيف الشرفات،
وللأصوات التي عادت مضرّجةً من لجج الارتياب.
ولم يكن إعلان بانجول مجرد بيان، بل كان مرآةً تعكس قلقاً عميقاً من تقارير تتحدث عن انتهاكات جسيمة ارتكبها طرفا الصراع.
وجاء بيان بانجول تحت عنوان: قرار بشأن استخدام الأسلحة الكيميائية في السودان، طالب فيه السلطات السودانية بالتعاون الكامل مع جميع الدول الأطراف في اتفاقية الأسلحة الكيميائية، وكذلك مع آليات تقصّي الحقائق الإقليمية والدولية، والسماح لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية بنشر فرق فنية داخل البلاد، وضمان أن يتم أي تحقيق بصورة شاملة وشفافة ومستقلة وفي الوقت المناسب.
ويبدو أن المنظمات العدلية والحقوقية، من لاهاي مروراً بجنيف وحتى منبر بانجول الأخير، تُبقي السلطة الانقلابية تحت مراقبة دولية صارمة، وتُذكّرها أن ملف الأسلحة الكيميائية لن يُطوى بسهولة، وأن أي إنكار رسمي لا يُغلق الباب أمام المساءلة.
وبين جنيف (مجلس حقوق الإنسان والآليات الأممية) وبانجول (اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب)، يمكن القول إن عيون المجتمع المدني لا تنام؛ فهي ترصد وتوثّق وتضغط باستمرار لتسليط الضوء على الجرائم والانتهاكات في السودان.
ففي جنيف، يشارك المجتمع المدني في جلسات مجلس حقوق الإنسان، ويضغط لتبني قرارات تدين الانتهاكات وتطالب بالمساءلة.
وفي بانجول، ترفع المنظمات الأفريقية والسودانية صوتها أمام اللجنة الأفريقية، مطالبةً بقرارات قوية ضد الهجمات على المدنيين، المستشفيات، والأسواق.
والمجتمع المدني يربط بين ما يُقال في جنيف وما يُناقش في بانجول، والهدف منع الإفلات من العقاب عبر مسار مزدوج أممي–أفريقي قد يشمل التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية.
فالإعلان وضع الطرفين في خانة المسئولية المشتركة عن جرائم الحرب.
أما السفير السوداني في أديس أبابا فقد رفض إعلان بانجول، معتبراً إياه وثيقة غير ملزمة قانونياً، صيغت خارج الآليات الوطنية، وتستند إلى تقارير غير ميدانية، مما يُضعف شرعيتها ويُظهرها كأداة ضغط سياسية أكثر من كونها آلية حقوقية.
وشدّد على أن السودان يرفض أي مسار مساءلة دولي أو أفريقي خارج مؤسساته، واعتبر أن الدعوة للتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية تدخل مباشر في الشأن الداخلي.
والبيان المشترك بين البعثتين الأممية والأفريقية، الصادر في ثاني أيام الدورة، حمّل الجيش السوداني وقوات الدعم السريع المسؤولية عن انتهاكات واسعة ومنهجية للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، ودعا إلى وقف الهجمات على المدنيين، وفتح تحقيقات مستقلة، وقيام مسار مساءلة دولي–أفريقي.
ولأنه أول وثيقة مشتركة بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي تتبنى موقفاً موحداً تجاه الحرب، فقد وضع الطرفين تحت مساءلة دولية مباشرة، وفتح الباب أمام تحرّك دولي أكبر ضد الانتهاكات، والدعوة لتحقيقات مستقلة في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، والتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، واقتراح إنشاء آلية مساءلة أفريقية متكاملة مع العدالة الدولية.
وحتى الآن لم تنشر سلطة بورتسودان تقرير اللجنة الوطنية “التقرير الغائب” للرد على الاتهامات الأميركية باستخدام الأسلحة الكيميائية.
وقد ترى السلطة الانقلابية أن نشر التقرير الآن سيزيد الضغط الدولي، فتؤجل النشر حتى تتضح موازين القوى أو يتم التوصل إلى تفاهمات سياسية. لكن عدم صدور تقرير علني من اللجنة خلق انطباعاً بأن الحكومة تخفي أو تؤجل الحقائق.
في الداخل، السلطة تنفي الاتهامات بشكل قاطع.
لكن في الخارج، أمام منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، تتحدث عن “تحقيقات جارية” و”تعاون كامل”، وتستخدم لغة دبلوماسية مرنة بهدف تخفيف الضغط الدولي وتجنّب العقوبات أو الإدانة.
إن تقاعس الحكومة في بورتسودان عن نشر نتائج تحقيق لجنتها الوطنية بشأن الاتهامات الأميركية باستخدام الأسلحة الكيميائية هو أحد الأسباب التي جعلت الدوائر العدلية الدولية (في لاهاي، جنيف، وبانجول) تُحاصرها وتبقي الملف مفتوحاً. لكن الأهم: هل هذه الرقابة الدولية ستُقيّد الصفقات والاستثمار في الأزمة السودانية لصالح دول بعينها؟
طيف أخير
#لا_للحرب
لماذا حذّر تحالف القوى المدنية الديمقراطية “صمود” من خطر تقسيم السودان في هذا الوقت بالتحديد!!
غداً نطوف في مساحة المسافة بين الخوف والحذر.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.