نساء الظل.. كيف استخدمت جماعة الإخوان المرأة لبناء شبكات الولاء وإعادة إنتاج الفكر التنظيمي؟ أدوار تتجاوز العمل الدعوي التقليدي
تقرير : عين الحقيقة
لم يقتصر حضور النساء داخل جماعة الإخوان المسلمين في السودان على الأنشطة الاجتماعية أو الدعوية التقليدية، بل تحول ـ وفق باحثين ومراقبين ـ إلى أحد أهم أدوات التنظيم في بناء شبكات الولاء الفكري والتنظيمي داخل المجتمع، خاصة خلال فترات التضييق الأمني أو التراجع السياسي.
ويقول مختصون إن الجماعة اعتمدت على النساء بصورة مكثفة في تأسيس دوائر مغلقة تقوم على السمع والطاعة والانضباط التنظيمي، بما يضمن استمرار إعادة إنتاج الأفكار الأيديولوجية داخل الأسرة والبيئة الاجتماعية المحيطة، بعيداً عن المواجهة المباشرة مع السلطات أو الخصوم السياسيين. ويرى مراقبون أن هذا النمط منح التنظيم قدرة على الحفاظ على حضوره داخل المجتمع السوداني لعقود، حتى في الفترات التي تعرض فيها لضغوط سياسية وأمنية كبيرة.
العمل الخيري كغطاء للنفوذ
الباحث في شؤون الحركات الإسلامية الدكتور صلاح الدين أحمد يقول إن الجماعة نجحت تاريخياً في استخدام الأنشطة الدينية والخدمية كوسيلة لبناء النفوذ المجتمعي، خاصة عبر شبكات النساء المرتبطة بالعمل الخيري والتعليم والمساعدات الاجتماعية. وأوضح أن هذه الأنشطة لم تكن دائماً ذات طابع إنساني بحت، بل استخدمت أحياناً كقنوات لتعزيز الولاء التنظيمي واستقطاب الأسر والشرائح المحافظة داخل المجتمع.
وأضاف أن النساء لعبن دوراً محورياً في نقل الأفكار التنظيمية داخل البيوت، وهو ما ساعد الجماعة على بناء “حاضنة اجتماعية” قادرة على حماية التنظيم وإعادة إنتاجه حتى بعد فقدان السلطة السياسية.
شبكات مغلقة وإعادة إنتاج الأفكار
من جهتها، ترى الباحثة الاجتماعية الدكتورة آمنة عبدالحليم أن التنظيم اعتمد على تكوين شبكات نسائية مغلقة قائمة على التربية الفكرية المكثفة والعلاقات الاجتماعية الممتدة، بما يسمح بترسيخ ثقافة الانتماء التنظيمي منذ المراحل العمرية المبكرة.
وقالت إن الجماعة ركزت على النساء باعتبارهن “حلقة التأثير الأكثر استقراراً” داخل الأسرة، حيث يمكن من خلالهن نقل الأفكار إلى الأبناء والمحيط الاجتماعي بصورة مستمرة وغير مباشرة. وأضافت أن هذه الشبكات ساعدت على تدوير الخطاب الأيديولوجي داخل المجتمع، حتى في الفترات التي تراجع فيها الوجود العلني للتنظيم.
التغلغل بعيداً عن الرقابة
ويرى الخبير الأمني اللواء المتقاعد حسن الطيب أن اعتماد الجماعة على الأنشطة النسائية منحها مساحة واسعة للتحرك بعيداً عن الرقابة، خاصة أن العمل الاجتماعي والخيري غالباً ما يحظى بحساسية أقل مقارنة بالأنشطة السياسية المباشرة.
وأوضح أن التنظيم استفاد من الجمعيات والمبادرات المجتمعية والبرامج الدينية لبناء شبكات تأثير طويلة الأمد يصعب تفكيكها بسهولة، لكونها متداخلة مع الحياة اليومية للمجتمع. وأشار إلى أن هذا الأسلوب مكّن الجماعة من الحفاظ على قدر من التماسك التنظيمي حتى بعد سقوط نظام عمر البشير، رغم الضربات السياسية والأمنية التي تعرضت لها.
المرأة بين التمكين والاستغلال التنظيمي
في المقابل، تحذر ناشطات وحقوقيات من اختزال دور النساء داخل التنظيمات الأيديولوجية في الوظائف التعبوية والتربوية، معتبرات أن الجماعة استخدمت خطاب “التمكين الديني” لتوظيف النساء في خدمة المشروع السياسي للتنظيم أكثر من تمكينهن اجتماعياً أو سياسياً بشكل حقيقي.
وتقول الكاتبة والناشطة الحقوقية سارة محمد إن النساء داخل التنظيم كثيراً ما وُضعن في أدوار مرتبطة بالحشد الاجتماعي والتعبئة الفكرية، بينما بقيت مواقع القرار الحقيقية محصورة في القيادات الذكورية. وأضافت أن استغلال البعد الديني والعاطفي ساهم في ترسيخ علاقات الولاء داخل بعض البيئات المحافظة، ما جعل تفكيك هذه الشبكات أكثر تعقيداً على المستوى الاجتماعي والثقافي.
إرث مستمر رغم التحولات
ومع التحولات السياسية والحرب المستمرة في السودان، يعتقد مراقبون أن شبكات النفوذ الاجتماعي المرتبطة بالحركة الإسلامية لا تزال تحتفظ بقدرة على التأثير داخل بعض القطاعات، رغم التراجع السياسي والتنظيمي الذي تعيشه الجماعة.
ويؤكد باحثون أن مواجهة هذا النفوذ لا تتعلق فقط بالإجراءات الأمنية أو السياسية، بل تحتاج أيضاً إلى مشاريع إصلاح اجتماعي وتعليمي تعزز قيم الانفتاح والمواطنة، وتحد من إعادة إنتاج الخطابات المغلقة داخل المجتمع والأسرة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.