من يحكم السودان اليوم؟ الجيش أم المليشيات؟

تقرير : عين الحقيقة

لم تعد المليشيات في السودان مجرد مجموعات مسلحة هامشية أو حركات تمرد تقليدية، بل تحولت خلال سنوات الحرب الأخيرة إلى ظاهرة معقدة أعادت تشكيل المشهدين الأمني والسياسي بصورة غير مسبوقة، حتى بات كثير من المراقبين يتحدثون عن اقتصاد التمليش وسوق مفتوح للقوة المسلحة.

ومع دخول الحرب عامها الثالث، تشير تقديرات متقاطعة لمراقبين وخبراء أمنيين إلى وجود أكثر من مائة مليشيا وتنظيم مسلح ينشط داخل السودان، تتفاوت بين حركات كبيرة ذات نفوذ إقليمي، ومجموعات صغيرة مرتبطة بقبائل أو مناطق أو حتى أحياء محلية. ولم يعد هذا التوسع يعكس فقط انهيار المنظومة الأمنية، بل يكشف أيضاً عن تحوّل السلاح إلى أداة للنفوذ السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

من حركات التمرد إلى مليشيات الضرورة

يمكن تقسيم المشهد المسلح الحالي إلى مرحلتين أساسيتين:

حركات ما قبل الحرب: وتشمل الحركات المسلحة التاريخية التي نشأت في دارفور والمنطقتين، وبعضها وقّع على اتفاق جوبا للسلام وأصبح جزءاً من المعادلة السياسية والعسكرية.

مليشيات ما بعد الحرب: وهي مجموعات ظهرت نتيجة الانهيار الأمني واتساع رقعة النزاع، تحت مسميات مثل «المقاومة الشعبية» و«درع السودان» و«كتائب الإسناد التابعة للإسلاميين»، مستفيدة من الفراغ الأمني وغياب مؤسسات الدولة.

ويرى مراقبون أن عام 2025 مثّل نقطة تحول حاسمة، بعدما توسعت ظاهرة «التمليش» بصورة غير مسبوقة، وتحول حمل السلاح من حالة استثنائية إلى واقع يومي في أجزاء واسعة من البلاد.

لماذا يحمل السودانيون السلاح؟

تعددت دوافع الانضمام إلى المليشيات، لكن العامل القبلي ظل الأكثر حضوراً، خاصة في مناطق الهشاشة الأمنية، حيث باتت قبائل ومجموعات محلية تعتبر السلاح الضامن الوحيد لحماية المجتمعات المحلية والحواكير.

ويقول خبير أمني سوداني لـ«عين الحقيقة» إن الفراغ الأمني الواسع وانهيار مؤسسات الدولة في عدد من المناطق دفع كثيراً من المجتمعات إلى بناء تشكيلات مسلحة محلية باعتبارها وسيلة للبقاء أكثر من كونها مشروعاً سياسياً.

وفي المقابل، ظهرت مجموعات أخرى اتُّهمت باستغلال الحرب غطاءً لأنشطة اقتصادية غير قانونية، تشمل التهريب وفرض الجبايات والسيطرة على طرق التجارة وتأمينها خارج سلطة الدولة.

كما برزت مجموعات تسعى للحصول على شرعية سياسية عبر فرض وجودها المسلح، انطلاقاً من قناعة متزايدة بأن أي تسوية مستقبلية ستُبنى على موازين القوة الميدانية، لا على التوافقات السياسية وحدها

اقتصاد الحرب.. من السلاح إلى النفوذ

أفرزت الحرب اقتصاداً موازياً قائماً على السلاح والنفوذ المحلي، حيث تحولت بعض المليشيات إلى كيانات تمتلك مصادر تمويل مستقلة تشمل الضرائب غير الرسمية، والتحكم في الموارد المحلية، وتأمين حركة التجارة والسلع.

ويرى محللون أن استمرار الحرب لفترة طويلة أسهم في ترسيخ هذا الواقع، إذ أصبحت بعض المجموعات المسلحة ترتبط بمصالح اقتصادية مباشرة تجعل استمرار النزاع أكثر ربحية من السلام بالنسبة إليها.

وقال قائد ميداني، فضل حجب اسمه، لـ«عين الحقيقة» إن بعض التشكيلات المسلحة لم تعد تتحرك فقط بدوافع عسكرية أو سياسية، بل أصبحت مرتبطة بمصالح اقتصادية واسعة يصعب التخلي عنها بسهولة.

كما لعب غياب مؤسسات الدولة وضعف الأجهزة العدلية والرقابية دوراً في تمدد هذه الظاهرة، ما سمح بظهور مراكز قوى جديدة تتجاوز سلطة الدولة التقليدية.

عام «الغربلة» والاندماجات المسلحة

شهدت الفترة الأخيرة موجة من الاندماجات والتحالفات داخل المشهد المسلح، حيث اختفت مجموعات صغيرة أو ذابت داخل كيانات أكبر وأكثر تنظيماً.

ويرى خبراء أن هذه التحولات تعكس محاولة لإعادة ترتيب النفوذ العسكري والسياسي، إلى جانب سعي بعض القوى المسلحة للحصول على مواقع متقدمة في أي ترتيبات سياسية أو أمنية مقبلة.

وفي المقابل، دخلت بعض المجموعات في صدامات مباشرة مع المؤسسة العسكرية بعد محاولات لفرض نفوذ مستقل أو التمرد على مراكز القيادة، ما أعاد النقاش حول حدود العلاقة بين الجيش وهذه التشكيلات المسلحة.

ويقول مراقب سياسي لـ«عين الحقيقة» إن المشهد الحالي لم يعد يعكس وجود جيش في مواجهة قوة متمردة فقط، بل شبكة معقدة من التحالفات العسكرية والمصالح المحلية المتشابكة.

فوضى السلاح والتحدي الأكبر

يحذر خبراء أمنيون من أن الانتشار الواسع للسلاح وتعدد مراكز القوة يهددان مستقبل الدولة السودانية، خاصة مع غياب رؤية واضحة لبرامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج.

ويشير مراقبون إلى أن المشكلة لم تعد فقط في وجود المليشيات، بل في تحوّل بعضها إلى سلطات موازية تمتلك المال والإعلام والقدرة على التجنيد والسيطرة المحلية، بما يشبه دويلات داخل الدولة.

كما أثارت تقارير حقوقية مخاوف متزايدة بشأن تورط مجموعات مسلحة في انتهاكات ضد المدنيين، بينها التهجير القسري والهجمات على البنية التحتية وعمليات النهب وفرض الجبايات بالقوة.

الدولة بين الحاجة والمخاطرة

يرى خبراء أن أخطر ما في المشهد الحالي هو تآكل احتكار الدولة للقوة، وهو أحد الأسس الجوهرية لقيام الدولة الحديثة.

ويعتبر محللون أن اعتماد الدولة أو القوى المتصارعة على مليشيات محلية لتحقيق مكاسب عسكرية سريعة قد يتحول مستقبلاً إلى عبء أمني وسياسي معقد، خاصة إذا تعذر تفكيك هذه الكيانات بعد توقف الحرب.

كما يحذر آخرون من أن كثيراً من التحالفات الحالية ليست سوى تحالفات ضرورة فرضتها ظروف المعارك، وقد تتحول لاحقاً إلى صراعات نفوذ داخلية بمجرد تراجع المواجهات الكبرى.

هل يواجه السودان مرحلة “أمراء الحرب”؟

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم داخل الأوساط السياسية والأمنية هو: ماذا بعد الحرب؟

ففي ظل وجود عشرات المجموعات المسلحة المرتبطة باقتصاد الحرب والنفوذ المحلي، تبدو أي محاولة لبناء جيش وطني موحد أو تأسيس دولة مدنية مستقرة تحدياً بالغ التعقيد.

ويرى مراقبون أن السودان يقف أمام مفترق خطير: فإما أن تنجح الدولة مستقبلاً في إعادة احتكار السلاح وبناء مؤسسات موحدة، أو تدخل البلاد في مرحلة طويلة من «السيولة الأمنية» وتعدد مراكز القوة، بما يفتح الباب أمام نموذج «أمراء الحرب» وتفكك السلطة المركزية.

وفي الواقع، لم تعد ظاهرة المليشيات مجرد نتيجة للحرب، بل أصبحت، في نظر كثيرين، أحد أكبر التحديات التي تهدد وحدة الدولة السودانية ومستقبلها السياسي والاجتماعي.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.