البلابسة يتحوّلون فجأة إلى حمائم سلام، بعد “بهلوانيات” القفز من مركب “اللاكرامة” الغارق!

 حسن عبد الرضي

في السودان المنكوب، لا شيء يبدو أسرع من الضوء… سوى سرعة بعض البلابسة في تبديل جلودهم حين تبدأ سفينة ادعاءاتهم الفارغة بالغرق. هؤلاء الذين قضوا الشهور والسنوات يصرخون في وجوه الناس: “بل بس!”، ويزايدون على الدم، ويهللون للموت، ويحوّلون المأساة الوطنية إلى مهرجان للشماتة والتشفّي، أصبحوا فجأة — بين ليلة وضحاها — دعاة سلام، وحكماء أوطان، بل أوصياء على “الضمير الوطني” نفسه! ويا لها من مهزلة ثقيلة لا يملك المرء أمامها إلا الدهشة المريرة.
أمس، كانوا يهاجمون كل من دعا إلى وقف الحرب، ويتهمونه بالخيانة والعمالة والانبطاح، ويعتبرون مجرد الحديث عن السلام نوعًا من “الاستسلام للتمرد”. واليوم، وبعد أن أكلت الحرب أبناء الناس، وأحرقت المدن، وشرّدت الملايين، وفضحت خواء شعارات المزايدة الوطنية. وبعد ان بدأت تكتيكات البرهان لإحتضان من قتلوا ونهبوا وانتهكوا بالقساط المريحة، خرجت علينا الوجوه نفسها لتحدّثنا عن “السلام الحقيقي”، و”التسامح الوطني”، و”العودة إلى حضن الوطن”. لكن أيُّ حضنٍ هذا الذي يتحدثون عنه؟ أهو حضنُ الوطن أم حضنُ الإفلات من العقاب؟
والمضحك المبكي أن بعض أكثر الأصوات تحريضًا وصخبًا صاروا اليوم يتقمّصون دور الحكماء المتسامحين. فإذا بمن كانوا يسكبون الزيت على النار يتحولون فجأة إلى دعاة إطفاء! وإذا بمن كانوا يوزعون شهادات التخوين على الناس يتحدثون الآن بلغة “المرونة” و”التعايش” و”فتح الصفحات الجديدة”.
أما المفارقة الأكثر فجاجة، فتتمثل في ذلك الانكسار السياسي والأخلاقي الذي جعل بعض قادة الحرب وأنصارها يلهثون اليوم خلف موجة “السلام”، لا عن قناعة أخلاقية، بل لأن ميزان القوة تغيّر، ولأن الحرب التي جرى تسويقها كرحلة نصر خاطفة تحولت إلى كارثة وطنية مفتوحة. حتى صار بعضهم يدعو إلى استقبال من تلطخت أيديهم بالدماء وكأن شيئًا لم يكن، متعمدين إذلال الضحايا أنفسهم، والقفز فوق جراح الناس، والتصرف وكأن البلاد كانت في نزهة سياسية لا في محرقة وطنية التهمت البشر والحجر. ويا ناس ود النورة، إن الذين قتلوكم وانتهكوا أعراضكم عادوا ليستكملوا الانتهاك إذا “فتحتم أفواهكم بالشكوى أو الاستنكار أو حتى التأوه”..
وفجأة، صار كل من كان جزءًا من ماكينة التعبئة والكراهية يُستقبل في المنابر والصفحات بوصفه “رجل مرحلة” و”صوت عقل”!
وكأن ذاكرة السودانيين قصيرة إلى هذا الحد. وكأن سنوات التحريض، والتعبئة العمياء، والسخرية من دعاة السلام، قد مُسحت من التاريخ بجرة قلم.
والسؤال الجوهري هنا: كيف يُهزم الضحايا مرةً بالرصاص، ثم يُطلب منهم لاحقًا أن يصفقوا لجلاديهم باسم “التسامح”؟ إن أخطر ما في هذا المشهد ليس مجرد التقلّب السياسي، بل محاولة إعادة تدوير خطاب الحرب نفسه داخل عباءة السلام. فبعض الذين مجّدوا العنف بالأمس يحاولون اليوم غسل أيديهم من الدم، وإعادة تقديم أنفسهم بوصفهم رعاة الحكمة الوطنية، من غير اعتراف، ولا مراجعة، ولا حتى اعتذار أخلاقي بسيط.
ثم تأتي الوقاحة الأكبر حين يسخر هؤلاء من الأصوات التي تطالب بالمحاسبة، ويصفونها بأنها “أصوات كراهية” أو “دعاة فتنة”. وأيُّ فتنة أعظم من قتل الأبرياء، ونهب المدن، وتشريد الملايين؟ وأيُّ سلام هذا الذي يُبنى على غسل أيدي القتلة واللصوص بماء النسيان الرخيص؟
لقد اكتشف البلابسة — متأخرين جدًا — أن الحرب ليست هاشتاقًا، ولا أغنية حماسية، ولا منشورات للشماتة والتخوين. اكتشفوا أن النار التي أشعلوها بخفة واستهتار يمكن أن تصل إلى بيوتهم، ومصالحهم، وصورتهم العامة، ومكانتهم الاجتماعية.
ولذلك بدأ القفز الجماعي من المركب، وبدأت عملية إعادة التموضع الأخلاقي بأقصى سرعة ممكنة. والأطرف من كل ذلك محاولتهم البائسة لإعادة كتابة التاريخ القريب. فصار بعض الذين رقصوا طويلًا حول شعارات الحرب يحاولون اليوم إلصاقها بخصومهم السياسيين، وكأن الناس بلا ذاكرة، وكأن التسجيلات والمقالات والمنشورات اختفت من الوجود.
إنها العقلية نفسها التي تشعل الحرائق ثم ترتدي زيّ رجال الإطفاء أمام الكاميرات.
لكن الأزمة الحقيقية ليست فقط في هذا الانقلاب الفج على المواقف، بل في الغياب الكامل للشجاعة الأخلاقية. فلا أحد خرج ليقول: نعم، أخطأنا حين مجّدنا الحرب. لا أحد قال: نعم، ساهمنا في تسميم الوعي العام، وفي تحويل السياسة إلى ساحة للغريزة والانتقام والكراهية. لا أحد اعتذر لأمهات القتلى، ولا للمشرّدين، ولا للجوعى، ولا لوطنٍ تحوّل إلى خراب واسع تحت تأثير خطاب التحريض والتجييش. وبدلًا من ذلك، يريدون القفز مباشرة إلى منصة “الحكماء”، وتوزيع شهادات الوطنية على الناس، وتخوين كل من يطالب بالحقيقة والعدالة والمحاسبة. لكن السودان لن ينهض بهذا النوع من الانتهازية الرخيصة. فالسلام الحقيقي لا يقوم على النسيان القسري، ولا على تبييض الجرائم، ولا على إعادة تدوير أبواق الحرب في هيئة محللي سلام. وإنما السلام الحقيقي يبدأ بالحقيقة. ثم الاعتراف. ثم العدالة. ثم المصالحة. أما أن يتحول محرّضو الأمس إلى قديسين بين ليلة وضحاها، فذلك ليس سلامًا… بل كوميديا سوداء رديئة تُعرض على مسرح وطنٍ منكوب.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.