هل تنجح الحركة الإسلامية في إعادة تأهيل نفسها أم أن الرهان محكوم عليه بالفشل؟
في مشهد يكشف عن عمق الأزمة التي تعيشها الحركة الإسلامية السودانية، وتصاعد حدة الضغوط الدولية والإقليمية عليها، بدأ علي أحمد كرتي، أحد أبرز وجوه الحركة وأكثرهم نفوذاً على مدى عقود، في نسج خيوط مسار سياسي موازٍ، يسعى من خلاله إلى إعادة تموضع التيار الإسلامي على الخريطة السياسية السودانية والدولية، في لحظة بالغة الحساسية تشهد فيها البلاد واحدة من أعنف حروبها في تاريخها الحديث.
وتكشف مصادر مطلعة أن كرتي تحرك عبر قنوات دبلوماسية غير رسمية، وقدّم للإدارة الأمريكية تصوراً يقوم على عرض ضمني مفاده أن التيار الإسلامي مستعد لعدم عرقلة أي تسوية سياسية تُنهي الحرب، والأكثر لافتاً في هذا العرض هو الإشارة إلى إمكانية القبول بترتيبات مرتبطة بالمحكمة الجنائية الدولية، بما فيها تسليم الأشخاص المطلوبين دولياً، وهو موقف كان حتى وقت قريب خطاً أحمر راسخاً في ثقافة الحركة وخطابها السياسي. وفي المقابل، يطالب كرتي بفتح نافذة تواصل جديدة مع المجتمع الدولي، وإعادة النظر في العزلة المفروضة على الإسلاميين السودانيين منذ سنوات.
لفهم هذا التحرك في سياقه الصحيح، لا بد من استحضار المشهد الذي يتحرك فيه كرتي. فالحركة الإسلامية تجد نفسها اليوم أمام معادلة وجودية بالغة القسوة: فهي متهمة بالمسؤولية عن إشعال فتيل الحرب، أو على الأقل بالتواطؤ في توفير شروطها، فضلاً عن إرثها الثقيل المتراكم منذ انقلاب يونيو 1989 الذي أوصل الإسلاميين إلى السلطة، ثم ثلاثة عقود من الحكم طُعنت فيها ملفات دارفور والقمع الداخلي والفساد الهيكلي.
ولهذا، يرى المحللون أن ما يقوم به كرتي هو في جوهره **تكتيك بقاء سياسي**، لا مراجعة فكرية أو أخلاقية عميقة. فالرجل يتحرك في لحظة ضعف استراتيجي، مستثمراً حالة الإرهاق الدولي من الحرب السودانية، وسعي واشنطن إلى أي ترتيب يوقف نزيف الدم ويحد من التمدد الروسي عبر قوات الدعم السريع. وفي هذا السياق، يحاول كرتي تقديم الإسلاميين بوصفهم “عامل تهدئة” محتملاً، لا طرفاً في الاشتعال، بهدف اختراق جدار العزلة قبل أن تُرسم خرائط التسوية النهائية دون حضورهم أو على حسابهم.
غير أن هذا المسار يصطدم بعقبات جوهرية تجعل نجاحه أمراً عسيراً، وفي مقدمتها إشكالية المصداقية. فكيف يمكن لحركة تُحمّلها شرائح واسعة من السودانيين مسؤولية ثلاثة عقود من الاستبداد وتفكيك مؤسسات الدولة، أن تُقنع المجتمع الدولي بأنها باتت جزءاً من الحل لا امتداداً للمشكلة؟
يُضاف إلى ذلك أن الحركة الإسلامية ليست كتلة متجانسة، وأن ما يطرحه كرتي لا يعكس بالضرورة توافقاً داخلياً، بل قد يكون مجرد موقف فردي أو فصائلي داخل تنظيم يعاني من انقسامات عميقة، خصوصاً في ظل الحرب التي فككت كثيراً من بنى التنسيق الداخلي. كما أن القبول المُعلن بترتيبات المحكمة الجنائية الدولية، إن صح، سيواجه مقاومة شرسة من أجنحة داخل الحركة ترى في ذلك تفريطاً وانتحاراً سياسياً.
التساؤل الأكبر: هل يُعفي هذا التحرك الحركة من تكلفة الحرب؟
الإجابة المختصرة هي لا. فالتسويات السياسية في منطقتنا قد تُفضي أحياناً إلى توافقات تطوي صفحات دموية بلا محاسبة كاملة، غير أن الطموح إلى الإفلات من المسؤولية التاريخية والأخلاقية عن معاناة الملايين من السودانيين يبقى رهاناً هشاً. فالحرب التي اندلعت في أبريل 2023 أنتجت واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، وسيظل ملف المسؤولية مفتوحاً بغض النظر عن التحولات التكتيكية لأي طرف.
ما يفعله كرتي هو قراءة براغماتية ذكية للمشهد، لكنه يتجاهل أن المجتمع الدولي، وإن كان يبحث عن شركاء في التسوية، فإنه لن يقبل بشراكة تُجمّد الملفات الكبرى أو تُشرعن عودة الإسلاميين دون حساب. والأرجح أن هذا المسار، حتى لو أحدث اختراقات تكتيكية محدودة، لن يُفضي إلى إعادة تأهيل حقيقية للحركة ما لم تأت مصحوبة بمراجعات جذرية وصريحة، وهو ما لا يبدو في الأفق القريب.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.