معركة ما بعد الحرب بدأت داخل الجيش السوداني

تقرير: عين الحقيقة

شهد السودان خلال عام 2026 تحولات عميقة داخل بنيته العسكرية، في ظل استمرار الحرب واتساع رقعتها، حيث لم تعد المواجهات الدائرة تُقرأ فقط باعتبارها صراعاً على السلطة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بل تحولت تدريجياً إلى عملية إعادة تشكيل شاملة للمؤسسة العسكرية نفسها.

بدأت عملية إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية بصورة ممنهجة منذ وصول نظام الرئيس المعزول عمر البشير إلى السلطة عام 1989 بدعم من الحركة الإسلامية بقيادة حسن الترابي.

ويرى مراقبون أن الحرب الحالية أعادت فتح ملف النفوذ الأيديولوجي داخل الجيش، خاصة ما يتعلق بالتغلغل التاريخي للحركة الإسلامية وجماعة الإخوان المسلمين داخل مفاصل القيادة العسكرية والأجهزة الأمنية والاستخباراتية، وهو الملف الذي عاد بقوة إلى واجهة النقاش السياسي والأمني مع تعقد الأزمة السودانية.
ويحذر دبلوماسيون وخبراء من أن استمرار هذا النفوذ يمثل “معضلة استراتيجية” تعرقل فرص الوصول إلى تسوية سياسية حقيقية، وتزيد من مخاطر إعادة إنتاج الأزمة السودانية بصيغ جديدة حتى بعد توقف الحرب.
ثلاثون عاماً من “الأدلجة”
بدأت عملية إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية بصورة ممنهجة منذ وصول نظام الرئيس المعزول عمر البشير إلى السلطة عام 1989 بدعم من الحركة الإسلامية بقيادة حسن الترابي. وخلال العقود التالية، عملت السلطة آنذاك على تنفيذ سياسة واسعة لـ“التمكين” داخل الجيش والأجهزة الأمنية، عبر إحلال كوادر موالية للحركة الإسلامية في المواقع الحساسة، وإبعاد الضباط الذين لا ينتمون إلى المشروع الأيديولوجي للنظام.
ويقول الباحث في الشؤون العسكرية العميد المتقاعد عبدالله الصادق إن المؤسسة العسكرية السودانية فقدت تدريجياً جزءاً كبيراً من طابعها القومي خلال سنوات حكم الإنقاذ، بعدما أصبحت معايير الولاء السياسي والتنظيمي تتقدم على المهنية العسكرية في كثير من التعيينات والترقيات. وأضاف أن هذه السياسات خلقت بنية داخلية معقدة من شبكات النفوذ والارتباطات الأيديولوجية التي لا تزال تؤثر على القرار العسكري حتى اليوم.
الحرب كفرصة لإعادة التموضع
ومع اندلاع الحرب الحالية، يرى محللون أن التيار الإسلامي وجد فرصة لإعادة ترتيب نفوذه داخل الجيش، مستفيداً من حالة الطوارئ والانهيار السياسي واحتياج المؤسسة العسكرية إلى شبكات الدعم والتعبئة. ويقول الكاتب والمحلل السياسي محمد الأمين إن الإسلاميين تعاملوا مع الحرب باعتبارها “معركة وجود”، وليس مجرد مواجهة عسكرية عابرة، ولذلك ركزوا على تعزيز حضورهم داخل مراكز القرار العسكري والأمني. وأوضح أن الجماعة تسعى إلى ضمان بقائها جزءاً من معادلة السلطة المستقبلية، سواء عبر استمرار الحرب أو من خلال التأثير على أي تسوية سياسية قادمة. وأضاف أن أخطر ما في المشهد الحالي هو تداخل الحسابات العسكرية مع الأجندات الأيديولوجية، الأمر الذي يجعل اتخاذ القرار داخل المؤسسة العسكرية أكثر تعقيداً.

تشير تقديرات سياسية إلى وجود انقسامات داخل المؤسسة العسكرية نفسها بين تيارات تسعى للحفاظ على الطابع التقليدي والقومي للجيش..

دبلوماسيون: النفوذ الإسلامي يعرقل التسوية
مصادر دبلوماسية غربية وإقليمية تحدثت عن مخاوف متزايدة من أن يؤدي النفوذ الإسلامي داخل الجيش إلى تعطيل أي عملية انتقال سياسي حقيقية في السودان. وبحسب دبلوماسيين مطلعين على ملف الأزمة السودانية، فإن بعض العواصم الإقليمية والدولية باتت ترى أن إعادة بناء الدولة السودانية تتطلب معالجة عميقة لملف “التسييس الأيديولوجي” داخل المؤسسات العسكرية والأمنية. وأشار دبلوماسي إفريقي إلى أن استمرار نفوذ الجماعات المرتبطة بالحركة الإسلامية داخل المؤسسة العسكرية يثير مخاوف من إعادة إنتاج نموذج الحكم السابق بصورة مختلفة، حتى لو تغيرت الوجوه السياسية والعسكرية. كما ترى أطراف دولية أن أي اتفاق سياسي لا يتضمن إصلاحات حقيقية داخل الجيش قد يكون مجرد هدنة مؤقتة قابلة للانهيار.
معركة النفوذ داخل الجيش
في المقابل، تشير تقديرات سياسية إلى وجود انقسامات داخل المؤسسة العسكرية نفسها بين تيارات تسعى للحفاظ على الطابع التقليدي والقومي للجيش، وأخرى مرتبطة بصورة أو بأخرى بالمشروع الإسلامي الذي تشكل خلال حقبة الإنقاذ. ويرى مراقبون أن الحرب لم تعد فقط معركة ضد قوات الدعم السريع، بل أصبحت أيضاً صراعاً داخلياً حول مستقبل الجيش نفسه ومن يملك القرار داخله. وتتزايد التساؤلات بشأن قدرة المؤسسة العسكرية على استعادة استقلاليتها المهنية بعيداً عن شبكات الولاء السياسي والتنظيمي، خاصة مع تصاعد الحديث عن إعادة ترتيب مراكز القوة داخل هيئة القيادة والأجهزة الاستخباراتية.
مستقبل الدولة مرهون بإصلاح المؤسسة العسكرية
ويرى خبراء أن أي مشروع لبناء دولة مستقرة في السودان سيظل ناقصاً دون إعادة هيكلة شاملة للمؤسسة العسكرية والأمنية، بما يضمن إنهاء حالة التداخل بين الجيش والتنظيمات السياسية والأيديولوجية. ويؤكد مختصون أن استعادة الجيش لدوره القومي والمهني تمثل شرطاً أساسياً لإنجاح أي انتقال مدني ديمقراطي، وإنهاء دوامة الانقلابات والصراعات المسلحة التي رافقت تاريخ السودان الحديث. ومع استمرار الحرب وتعثر مسارات السلام، تبدو الأزمة السودانية اليوم أبعد من مجرد صراع عسكري، لتتحول إلى معركة معقدة حول شكل الدولة وهوية المؤسسة العسكرية ومستقبل السلطة في البلاد.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.