الإخوان وتمزيق السودان.. من شعارات الدين إلى واقع الانهيار

تقرير عين الحقيقة

يمثل الإسلام السياسي، وفي مقدمته تنظيم الإخوان المسلمين، أحد أبرز التحديات التي واجهت المجتمعات العربية والأفريقية خلال العقود الماضية، ليس فقط على مستوى الصراع السياسي، بل أيضاً على مستوى البنية الاجتماعية والهوية الوطنية للدول.

وتشير تجارب عديدة إلى أن خطورة هذه التنظيمات لا تتوقف عند حدود الوصول إلى السلطة، وإنما تمتد إلى إعادة تشكيل المجتمعات وفق رؤى أيديولوجية ضيقة، تقوم على الاستقطاب الحاد وتقسيم المواطنين على أسس فكرية ودينية، بما يؤدي إلى إضعاف الدولة الوطنية وتفكيك النسيج الاجتماعي.

 

أدلجة المجتمع قبل السيطرة على الدولة

 

تعتمد جماعات الإسلام السياسي على استراتيجية تقوم على “أدلجة المجتمع” قبل “أخونة الدولة”، عبر إعادة تعريف الانتماء الوطني وفق معايير عقائدية وتنظيمية.

 

ومن خلال خطاب “الولاء والبراء”، يجري تصنيف المواطنين بين موالين للتنظيم وخصوم له، الأمر الذي يحوّل الخلافات السياسية الطبيعية إلى صراعات وجودية ذات طابع ديني وأيديولوجي.

 

ويرى مراقبون أن هذا النهج يؤدي إلى تآكل الثقة بين مكونات المجتمع الواحد، ويخلق انقسامات عميقة يصعب تجاوزها حتى بعد سقوط الأنظمة المرتبطة بهذه الجماعات.

 

السودان.. نموذج واضح للتفكيك المجتمعي

 

يُعد السودان من أبرز النماذج التي تجلت فيها آثار الإسلام السياسي على وحدة الدولة والمجتمع، خاصة منذ وصول الجبهة الإسلامية القومية، الذراع السياسية لتنظيم الإخوان المسلمين في السودان، إلى السلطة عبر انقلاب عام 1989.

 

وخلال سنوات الحكم، انتهجت السلطة سياسات اعتبرها كثيرون سبباً مباشراً في تعميق الانقسامات الاجتماعية والعرقية والسياسية داخل البلاد.

 

تأجيج النزاعات القبلية والعرقية

 

بدلاً من تعزيز الهوية الوطنية الجامعة، اتجهت السلطة آنذاك إلى استغلال التنوع العرقي والقبلي في إدارة الصراعات الداخلية.

 

وفي إقليم دارفور، أدى تسليح مجموعات وقبائل ضد أخرى إلى تحويل النزاعات التقليدية حول الموارد إلى مواجهات دموية واسعة النطاق، ما تسبب في خلق شرخ اجتماعي عميق بين المكونات العربية والأفريقية في الإقليم.

 

ويرى محللون أن تلك السياسات ساهمت في ترسيخ خطاب الكراهية والانقسام داخل المجتمع السوداني.

 

الحرب في الجنوب وتحويل الصراع إلى مواجهة دينية

 

في جنوب السودان، تحولت الحرب الأهلية من قضية سياسية مرتبطة بالتنمية والمواطنة وتقاسم السلطة إلى صراع ذي طابع ديني، بعد تبني خطاب “الجهاد”.

 

ويقول مراقبون إن هذا التحول عمّق الشعور بالتهميش والاغتراب لدى الجنوبيين، وأسهم بصورة كبيرة في تعزيز النزعة الانفصالية التي انتهت بانفصال جنوب السودان عام 2011.

 

سياسة التمكين وإضعاف الطبقة الوسطى

 

ومن أبرز السياسات التي ارتبطت بفترة حكم الإسلاميين في السودان ما عُرف بسياسة “التمكين”، والتي لم تقتصر على تعيين عناصر التنظيم في مؤسسات الدولة، بل تحولت إلى عملية إعادة تشكيل اقتصادي واجتماعي واسعة.

 

وأدت هذه السياسة، بحسب متابعين، إلى إضعاف مؤسسات الخدمة المدنية، وتراجع دور الطبقة الوسطى، وهجرة الكفاءات الوطنية، وانتشار المحسوبية والفساد، فضلاً عن خلق تفاوت اقتصادي واجتماعي حاد.

 

كما ساهمت في تعميق حالة الاستقطاب بين فئات المجتمع المختلفة، وسط شعور متزايد بالتهميش لدى قطاعات واسعة من المواطنين.

 

تفكيك المؤسسات الوطنية

 

وفي الجانب الأمني، اتجهت السلطة إلى إنشاء تشكيلات موازية للمؤسسات الرسمية، من بينها قوات الدفاع الشعبي، إلى جانب أجهزة أمنية ذات ولاءات أيديولوجية.

 

ويرى محللون أن هذه السياسات أضعفت المؤسسات القومية، وأدخلت الانقسام السياسي داخل الأجهزة النظامية، الأمر الذي انعكس لاحقاً على المشهد الأمني في البلاد، وأسهم في تعقيد الأزمات الداخلية.

 

تداعيات مستمرة حتى اليوم

 

ورغم انتهاء حكم الإخوان في السودان، فإن آثار تلك المرحلة ما تزال حاضرة في المشهد السياسي والاجتماعي، من خلال استمرار الانقسامات القبلية والجهوية، وتراجع الثقة في مؤسسات الدولة.

 

ويؤكد مراقبون أن معالجة هذه التداعيات تتطلب تعزيز مفهوم المواطنة، وإبعاد الدين عن الصراع السياسي، والعمل على بناء دولة تقوم على العدالة والتعددية واحترام التنوع المجتمعي.

 

وتكشف التجربة السودانية أن خطر الإسلام السياسي لا يرتبط فقط بالسلطة، بل يمتد إلى إعادة تشكيل المجتمع بصورة قد تقود إلى الانقسام والتفكك على المدى الطويل.

 

ويبقى التحدي الأكبر أمام المجتمعات الخارجة من هذه التجارب هو استعادة الهوية الوطنية الجامعة، وترميم الثقة بين مكونات المجتمع، وبناء مؤسسات قادرة على حماية الدولة من العودة إلى دوائر الاستقطاب والصراع.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.