القرار العسكري في قبضة الإسلاميين.. كيف يستخدم الإخوان نفوذهم داخل الجيش لإعاقة الحل في السودان؟ “أدلجة” المؤسسة العسكرية
تقرير : عين الحقيقة
تتزايد التحذيرات داخل الأوساط السياسية السودانية من النفوذ المتصاعد للحركة الإسلامية داخل المؤسسة العسكرية، وسط اتهامات للإخوان المسلمين باستخدام سيطرتهم على مراكز القرار العسكري لإطالة أمد الحرب وتعطيل أي تسوية سياسية يمكن أن تقود إلى إنهاء الصراع. ويرى مراقبون أن جماعة الإخوان نجحت خلال سنوات حكم الرئيس المعزول عمر البشير في تنفيذ عملية “أدلجة” واسعة داخل الجيش السوداني، عبر إعادة تشكيل مراكز النفوذ والقيادة بما يضمن ولاء قطاعات مؤثرة من الضباط والعناصر الأمنية للحركة الإسلامية ومشروعها السياسي.
ويقول محللون إن العقيدة العسكرية التقليدية القائمة على حماية الدولة والدستور تعرضت لتحولات عميقة خلال العقود الماضية، حين جرى ربط المؤسسة العسكرية بصورة متزايدة بالمشروع السياسي للحركة الإسلامية، خاصة منذ وصول نظام الإنقاذ إلى السلطة عام 1989.
خبير عسكري: الإسلاميين لم يكتفوا بالسيطرة السياسية على الدولة، بل سعوا إلى “إعادة هندسة” المؤسسة العسكرية نفسها لضمان بقائهم في السلطة.
ثلاثون عاماً من إعادة تشكيل الجيش
خلال سنوات حكم الإنقاذ، عملت الحركة الإسلامية على بناء شبكة نفوذ معقدة داخل القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، عبر الإحلال الوظيفي والتمكين السياسي وإقصاء الضباط غير الموالين للتنظيم. الخبير العسكري المتقاعد عصام الدين محمد يقول إن الإسلاميين لم يكتفوا بالسيطرة السياسية على الدولة، بل سعوا إلى “إعادة هندسة” المؤسسة العسكرية نفسها لضمان بقائهم في السلطة. وأوضح أن الترقيات والتعيينات داخل الجيش خلال سنوات طويلة كانت تخضع في كثير من الأحيان لمعايير الولاء السياسي والتنظيمي، أكثر من اعتمادها على المهنية العسكرية وحدها.
وأضاف أن هذه السياسات خلقت ما يشبه “الدولة التنظيمية” داخل المؤسسة العسكرية، حيث أصبح بعض الضباط أكثر ارتباطاً بالحركة الإسلامية من ارتباطهم بالعقيدة القومية للجيش.
باحث: الإخوان ينظرون إلى أي تسوية سياسية باعتبارها تهديداً مباشراً لنفوذهم داخل الدولة، ولذلك يعملون على إبقاء القرار العسكري تحت سيطرتهم لضمان التأثير على مستقبل السلطة.
نفوذ داخل هيئة القيادة والاستخبارات
ومع اندلاع الحرب الحالية، عاد الحديث بقوة عن الدور الذي تلعبه الكوادر الإسلامية داخل هيئة القيادة والأجهزة الاستخباراتية في توجيه مسار العمليات العسكرية والتحكم في القرارات الاستراتيجية.رويرى مراقبون أن هذا النفوذ يفسر جزئياً تعثر محاولات الوصول إلى تسوية سياسية شاملة، في ظل رفض تيارات داخل المؤسسة العسكرية لأي تقارب مع القوى المدنية أو حتى مع الأطراف العسكرية المنافسة.
الباحث السياسي محمد الفاتح عثمان يرى أن الإخوان ينظرون إلى أي تسوية سياسية باعتبارها تهديداً مباشراً لنفوذهم داخل الدولة، ولذلك يعملون على إبقاء القرار العسكري تحت سيطرتهم لضمان التأثير على مستقبل السلطة.
وأضاف أن الحركة الإسلامية تخشى من أن يؤدي أي انتقال مدني حقيقي إلى تفكيك شبكاتها داخل الجيش والأجهزة الأمنية، وهو ما يدفعها إلى التمسك بخيار الحرب أو إطالة أمد الصراع.
الحرب كوسيلة لحماية النفوذ
ويعتقد محللون أن استمرار الحرب منح الإسلاميين فرصة لإعادة التموضع داخل الدولة بعد سقوط نظام البشير، حيث ساعدت حالة الطوارئ والانهيار الأمني على عودة شخصيات وشبكات مرتبطة بالنظام السابق إلى مراكز التأثير.
كما استفادت الجماعة ـ بحسب مراقبين ـ من الخطاب التعبوي المرتبط بالحرب لتقديم نفسها كحليف ضروري داخل المؤسسة العسكرية، خاصة في ظل تصاعد المخاوف من انهيار الدولة أو توسع نفوذ قوات الدعم السريع.
ويرى بعض الخبراء أن الحرب تحولت بالنسبة للإسلاميين من معركة عسكرية إلى معركة وجود سياسي، ولذلك يتم التعامل معها باعتبارها وسيلة للحفاظ على النفوذ داخل مؤسسات الدولة، وليس فقط مواجهة ميدانية مع خصم عسكري.
يحذر محللون من أن بقاء القرار العسكري رهينة للصراعات الأيديولوجية والتنظيمية سيجعل أي تسوية سياسية هشة وقابلة للانهيار،
عقبات أمام الانتقال المدني
في المقابل، تؤكد قوى مدنية سودانية أن أي عملية سياسية مستقبلية لن تنجح دون معالجة ملف النفوذ الإسلامي داخل الجيش وإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس مهنية وقومية. وتطالب هذه القوى بإصلاحات عميقة تشمل إعادة هيكلة الأجهزة العسكرية والأمنية، وإنهاء حالة التداخل بين المؤسسة العسكرية والتنظيمات السياسية والأيديولوجية. ويرى مراقبون أن التحدي الأكبر أمام السودان لا يتمثل فقط في وقف الحرب، بل في تفكيك البنية التي سمحت بتحويل الجيش إلى ساحة نفوذ سياسي وتنظيمي خلال العقود الماضية.
مستقبل السودان بين الدولة والتنظيم
ومع استمرار الحرب وتعثر جهود السلام، يبدو السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كانت المؤسسة العسكرية السودانية قادرة على استعادة طابعها القومي والمهني، أم أن نفوذ الإسلاميين داخلها أصبح جزءاً من معادلة السلطة التي يصعب تفكيكها في المدى القريب. ويحذر محللون من أن بقاء القرار العسكري رهينة للصراعات الأيديولوجية والتنظيمية سيجعل أي تسوية سياسية هشة وقابلة للانهيار، في وقت يحتاج فيه السودان إلى مشروع وطني يعيد بناء الدولة بعيداً عن الهيمنة الحزبية والاستقطاب العسكري.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.