صراع خفي داخل معسكر بورتسودان.. هل بدأ “قطار التصفيات” في الجيش السوداني؟ توترات متصاعدة داخل المؤسسة العسكرية

تقرير: عين الحقيقة

تتزايد في الأوساط السياسية والعسكرية السودانية التساؤلات حول طبيعة الصراع الدائر داخل معسكر بورتسودان، في ظل تصاعد الحديث عن خلافات حادة بين مراكز النفوذ داخل المؤسسة العسكرية، وتنامي دور التيار الإسلامي المرتبط بالحركة الإسلامية والإخوان المسلمين في إعادة تشكيل موازين القوة داخل الجيش.

خلال الأشهر الماضية، برزت مؤشرات متزايدة على اتساع نفوذ الإسلاميين داخل مفاصل حساسة في الجيش والأجهزة الأمنية، مستفيدين من حالة الحرب والانهيار السياسي التي أعقبت اندلاع القتال.

ومع استمرار الحرب وتراجع فرص الحسم العسكري السريع، باتت المخاوف تتصاعد من تحوّل الصراع الداخلي إلى مواجهة مفتوحة بين أجنحة متنافسة داخل السلطة العسكرية، خاصة مع تداول تسريبات عن حملات إقصاء غير معلنة تستهدف شخصيات يُنظر إليها باعتبارها غير منسجمة مع المشروع الإسلامي داخل الجيش. ويرى مراقبون أن الأزمة لم تعد تتعلق فقط بإدارة الحرب ضد قوات الدعم السريع، بل أصبحت أيضاً معركة داخلية حول من يسيطر على المؤسسة العسكرية ومن يرسم شكل السلطة في مرحلة ما بعد الحرب.
نفوذ الإسلاميين يعود إلى الواجهة
خلال الأشهر الماضية، برزت مؤشرات متزايدة على اتساع نفوذ الإسلاميين داخل مفاصل حساسة في الجيش والأجهزة الأمنية، مستفيدين من حالة الحرب والانهيار السياسي التي أعقبت اندلاع القتال. ويقول محللون إن الحركة الإسلامية التي فقدت السلطة بعد سقوط نظام عمر البشير، نجحت تدريجياً في إعادة التموضع داخل المؤسسة العسكرية عبر تحالفات وشبكات نفوذ قديمة، مستفيدة من حاجة الجيش إلى الحاضنة التنظيمية واللوجستية خلال الحرب.
ويرى الباحث السياسي عادل الأمين أن الإسلاميين يتعاملون مع الحرب الحالية باعتبارها “فرصة لإعادة بناء نفوذهم داخل الدولة”، موضحاً أن الجماعة تسعى إلى إحكام السيطرة على مراكز القرار العسكري والأمني قبل أي تسوية سياسية محتملة. وأضاف أن ما يجري داخل الجيش لا يمكن فصله عن الصراع الأوسع بين تيارات تسعى إلى إعادة إنتاج نظام الإنقاذ بصيغة جديدة، وأخرى تخشى من هيمنة الإسلاميين بصورة كاملة على المؤسسة العسكرية.
مخاوف من “التصفيات الناعمة”
وتشير مصادر سياسية وعسكرية إلى تصاعد حالة الشكوك داخل بعض الدوائر العسكرية، وسط حديث عن إبعاد أو تهميش ضباط يُعتقد أنهم لا ينتمون إلى التيار الإسلامي أو لا يتوافقون مع مشروعه السياسي.
وبحسب مراقبين، فإن ما يُوصف بـ“التصفيات الناعمة” لا يتم دائماً عبر الإقالات المباشرة، بل من خلال إعادة توزيع النفوذ، وإبعاد بعض القيادات عن مواقع القرار، وخلق بيئة داخلية تجعل من الصعب على الأصوات المخالفة الاستمرار في التأثير.

خبير عسكري: المؤسسة العسكرية السودانية تعاني منذ سنوات من آثار التسييس والاختراقات الأيديولوجية التي بدأت خلال حقبة الإنقاذ،

الخبير العسكري محمد عبدالرحمن يرى أن المؤسسة العسكرية السودانية تعاني منذ سنوات من آثار التسييس والاختراقات الأيديولوجية التي بدأت خلال حقبة الإنقاذ، مشيراً إلى أن الحرب الحالية أعادت تنشيط شبكات الولاء القديمة داخل الجيش. وأوضح أن استمرار هذه الانقسامات قد يقود إلى إضعاف تماسك المؤسسة العسكرية نفسها، خاصة إذا تحولت معركة النفوذ إلى صراع داخلي مفتوح بين الأجنحة المتنافسة.
هل يستطيع الجيش استعادة توازنه؟
في المقابل، يعتقد بعض المتابعين أن داخل الجيش السوداني تيارات لا تزال ترفض هيمنة الإسلاميين الكاملة على القرار العسكري، وتسعى للحفاظ على ما تبقى من الطابع القومي للمؤسسة العسكرية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: هل يمتلك الجيش القدرة على تفكيك ما يصفه البعض بـ“القنابل الموقوتة” داخل معسكره، أم أن مراكز النفوذ المرتبطة بالحركة الإسلامية أصبحت أكثر قوة وتنظيماً من أي وقت مضى؟
ويرى محللون أن الإجابة على هذا السؤال ترتبط بمآلات الحرب نفسها، وبطبيعة التفاهمات الإقليمية والدولية التي قد تُفرض لاحقاً على المشهد السوداني.
السودان بين الحرب وصراع السلطة
ومع دخول الحرب مرحلة أكثر تعقيداً، تبدو الأزمة السودانية أبعد من مجرد معركة عسكرية بين الجيش والدعم السريع، لتتحول تدريجياً إلى صراع متعدد المستويات يشمل النفوذ داخل المؤسسة العسكرية، ومستقبل الإسلاميين، وشكل الدولة السودانية القادمة. وفي ظل غياب أفق سياسي واضح، يحذر مراقبون من أن استمرار معارك النفوذ داخل معسكر بورتسودان قد يدفع البلاد نحو مزيد من الانقسامات والتشظي، خاصة إذا تحولت الحرب إلى وسيلة لتصفية الحسابات وإعادة هندسة السلطة بالقوة. هل يستطيع الجيش السوداني استعادة زمام المبادرة وبناء مؤسسة عسكرية بعيدة عن الاستقطاب الأيديولوجي؟ أم أن “قطار التصفيات” قد انطلق بالفعل، ولن يتوقف حتى يزيح كل من يقف في وجه مشروع السيطرة المطلقة داخل الدولة؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.