أسوار

أطياف - صباح محمد الحسن

قد تدفع أوروبا باتجاه تفعيل المحكمة الجنائية الدولية ضد جرائم الحرب في السودان، ما يضع واشنطن ودولاً إقليمية في موقف حرج، لأنها لا تستطيع أن تُظهر نفسها كحامية للمتورطين.

طيف أول:
في غفلة السجّان،
أمنية فرّت من فوق السور،
ترسم طريق الرذاذ كلما دثّرت الحرية أضلع الذكرى.

وآخر تصريحات لمستشار الرئيس ترامب، مسعد بولس، كشفت أن اهتمام المجتمع الدولي يضع المسار الإنساني أولاً، وذلك بإدخال المساعدات ووقف استهداف المدنيين، ومن ثم المسار السياسي الذي يقوم على دعم الحوار (السوداني–السوداني) للوصول إلى حكومة مدنية انتقالية، والضغط الدولي عبر ممارسة ضغوط على الدول الداعمة للأطراف المتحاربة، ورفض الانقسام بعدم الاعتراف بأي حكومة موازية أو ترتيبات منفصلة.
ولعل أهم هذه البنود، والذي يمكن أن يكون نقطة الانطلاق إلى وقف إطلاق النار حتى يتحقق وصول المساعدات وعدم الانقسام والوصول إلى حكومة مدنية، هو الضغط على الدول الداعمة للأطراف المتحاربة. فلماذا ظلت واشنطن تتحدث عن ضرورة الضغط على هذه الدول ولا تضغط؟!
فواشنطن لا تريد أن تظهر كطرف يفرض إرادته على السودان، بل تفضّل أن تُمارس الضغط عبر شركائها الإقليميين، وهذا أكبر خطأ وقعت فيه أمريكا ولم تُحسن تقديره. لأنه يكشف التناقض الجوهري في الموقف الأمريكي هو أنها تعلن أنها تضغط عبر دول الإقليم، بينما هذه الدول الإقليمية هي من أبرز الداعمين للأطراف المتحاربة، وبالتالي تتحول أدوات الضغط إلى أدوات إطالة للصراع.
فهي ظلت تتحدث كثيراً عن الضغط، لكنها في الواقع تُمارسه بطرق غير مباشرة ومتدرجة عبر الحلفاء، وليس عبر مواجهة مباشرة مع الأطراف المتحاربة. هذا الأسلوب يعكس رغبتها في تجنّب الانزلاق إلى صراع إقليمي أوسع، وفي الوقت نفسه إبقاء الأطراف السودانية تحت عزلة تدريجية.
كما تركز واشنطن على أدوات مثل العقوبات، وتجميد الأصول، وحرمان الأطراف من الشرعية الدولية. لكنها بهذا تختار أدوات بطيئة المفعول، تُراكم عزلة الأطراف دون أن تُدخل أمريكا في مواجهة مباشرة.
أيضاً لا تضغط واشنطن على دول الإقليم لأنها تحتاج القاهرة والرياض وأبوظبي في ملفات إقليمية أخرى مثل الطاقة، والبحر الأحمر، والتطبيع مع إسرائيل. ولهذا تتجنب مواجهتها مباشرة، وتكتفي بخطاب عام عن “الضغط”، دون إجراءات حقيقية ضد دعمها العسكري والسياسي.
لذلك فإن المراقب لنافذة الحل يجد خطاباً أمريكياً قوياً، لكن يقابله ضغط فعلي ضعيف، ما يوحي أن الحرب ربما تستمر بلا أفق واضح. وواشنطن لا تستطيع أن تظهر بمظهر المتواطئ مع حرب تُوصف بأنها “كارثة إنسانية”، لذلك تضطر إلى رفع خطاب الضغط على الدول الداعمة، حتى لو لم تُمارس ضغطاً عملياً قوياً، حفاظاً على صورتها أمام أوروبا والأمم المتحدة.
لكن من المتوقع أن تمارس الدول الأوروبية ضغطاً على أمريكا في مقبل الأيام. وبما أن أوروبا تُركز على البُعد الإنساني وترى أن استمرار الحرب يهدد بتدفق موجات جديدة من اللاجئين نحوها، فهذا يجعل واشنطن مضطرة للاستماع، لأن أزمة الهجرة تُهدد استقرار الاتحاد الأوروبي، وبالتالي قد تُضعف التحالف الغربي ككل.
والاتحاد الأوروبي شريك اقتصادي ضخم للولايات المتحدة، ويستطيع أن يربط ملف السودان بملفات التجارة والطاقة.
فمثلاً أوروبا قد تُلوّح بتقليل التعاون في بعض الملفات إذا لم تُظهر واشنطن جدية في وقف الحرب السودانية. وأوروبا لا تتحرك منفردة، بل عبر تحالفات مع كندا وأحياناً مع دول إفريقية، وهذا يُضاعف تأثيرها، لأن واشنطن لا تريد أن تخسر صورة “القيادة الجماعية” في إدارة الأزمات.
لكن أقوى ورقة ستضغط بها أوروبا على واشنطن هي المنصات العدلية؛ فمؤتمرات برلين وبانجول وجنيف هي أسوار حصار لم تكن فقط تستهدف أطراف الصراع السوداني، بل أرادت أوروبا أن تُمسك بالعصا لتضغط على المتحاربين، وتضغط أيضاً على واشنطن نفسها.
وقد تدفع أوروبا باتجاه تفعيل المحكمة الجنائية الدولية ضد جرائم الحرب في السودان، ما يضع واشنطن والدول الإقليمية في موقف حرج لأنها لا تستطيع أن تُظهر نفسها كحامية للمتورطين.
والاتحاد الأوروبي يملك أدوات عقوبات مستقلة، وإذا استخدمها ضد أطراف سودانية أو داعمين إقليميين، فإنه يُجبر واشنطن على التنسيق أو مواجهة صورة الانقسام الغربي.
وكذلك التحقيقات العدلية، فيمكن أن تُنشئ أوروبا لجان تحقيق خاصة بجرائم الحرب والانتهاكات الإنسانية، وهذه اللجان تُصدر تقارير تُستخدم كورقة ضغط في مجلس الأمن، ما يُحرج واشنطن إذا تجاهلتها. حتى شرعية التمثيل، فعبر المنصات العدلية تستطيع أوروبا أن تُحدد من هو “الممثل الشرعي” للسودان في المحافل الدولية، وهذا يُقلص قدرة واشنطن على فرض رؤيتها منفردة.

طيف أخير:
#لا_للحرب
#وطن_واحد
كان يوسف سراجاً ونموذجاً للأخلاق الرفيعة والاحترام الصادق، قلماً نزيهاً لا يعرف إلا طريق الحق، وصوتاً هادئاً يزرع في محيطه قيم الإنسانية والكرامة. لم يكن مجرد صحفي، بل كان مدرسةً في السلوك النبيل، ومرآةً لضميرٍ حيٍّ يرفض الانكسار.
رحيله مع رفيقة دربه يضاعف الحزن، له الرحمة والعزاء لأسرته وللأستاذ الجميل الفاضل.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.