بعد سنوات طويلة من الاستبداد والانقسامات والحروب، ثم هذه الكارثة الإنسانية التي يعيشها السودان اليوم، بات واضحاً أن أي حديث عن مستقبل البلاد لا يمكن أن يقوم على إعادة تدوير الأزمات القديمة أو ترميم نظام انهارت أسسه بالكامل. السودان يحتاج إلى مشروع تأسيسي جديد، مشروع يعالج جذور الأزمة لا أعراضها، ويضع أسس دولة حديثة تقوم على العدالة والمواطنة والسلام.
وأولى المرتكزات الأساسية لأي تغيير حقيقي في السودان هي بناء جيش وطني مهني وقومي، يخضع بالكامل للسلطة المدنية الديمقراطية، ويبتعد بصورة نهائية عن السياسة والاقتصاد والاستقطاب الأيديولوجي. لقد أثبتت التجربة السودانية، منذ الاستقلال وحتى اليوم، أن تدخل المؤسسة العسكرية في الحكم كان أحد أهم أسباب عدم الاستقرار والانقلابات والحروب وتمزيق الدولة.
الجيش في الدول الحديثة ليس حزباً سياسياً، ولا مؤسسة اقتصادية، ولا أداة بيد جماعة أو فرد. الجيش يجب أن يكون مؤسسة وطنية تحمي الدستور وحدود البلاد وسيادة الدولة، لا أن يتحول إلى لاعب سياسي يتنافس على السلطة والثروة. ولهذا فإن أي مشروع لبناء السودان الجديد يجب أن يبدأ بإعادة هيكلة المنظومة العسكرية والأمنية على أسس مهنية وقومية، تضمن إنهاء تعدد الجيوش والمليشيات، وتمنع استخدام السلاح لتحقيق المكاسب السياسية.
كما أن وقف الحرب فوراً لم يعد مجرد مطلب سياسي، بل ضرورة إنسانية عاجلة. ملايين السودانيين يعيشون اليوم بين النزوح والجوع والخوف، ومدن كاملة تحولت إلى أنقاض، بينما تستمر الأطراف المتحاربة في إدارة معركة لا يوجد فيها منتصر حقيقي. كل يوم إضافي للحرب يعني مزيداً من الدماء والانهيار والكراهية التي ستحتاج البلاد سنوات طويلة لتجاوز آثارها.
لكن وقف الحرب وحده لا يكفي، إذا لم يكن شاملاً وواضحاً ومدعوماً بآليات مراقبة إقليمية ودولية فعالة تضمن الالتزام به وتحاسب من يخرقه. السودان لم يعد يحتمل اتفاقات هشة أو هدنات مؤقتة تنهار بعد أيام. المطلوب هذه المرة إرادة حقيقية لإنهاء القتال وفتح الطريق أمام عملية سياسية مدنية شاملة.
وفي قلب أي تسوية عادلة، تبقى العدالة الانتقالية قضية لا يمكن تجاوزها أو تأجيلها. فلا يمكن بناء سلام حقيقي فوق دماء الضحايا أو تجاهل الجرائم والانتهاكات التي ارتُكبت بحق المدنيين في دارفور والخرطوم وكردفان وسائر مناطق السودان. العدالة ليست انتقاماً، بل شرط أساسي لبناء الثقة ومنع تكرار المأساة.
ولهذا فإن إقرار منهج شامل للعدالة الانتقالية يجب أن يشمل محاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة، والتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية وتسليم المطلوبين، إلى جانب جبر ضرر الضحايا وتعويض المتضررين والاعتراف بمعاناة الناجين وأسر القتلى والمفقودين.
لقد أثبتت تجارب الشعوب أن تجاهل العدالة لا يؤدي إلا إلى إنتاج دورات جديدة من العنف والانهيار. أما مواجهة الحقيقة بشجاعة، فهي الخطوة الأولى نحو المصالحة الوطنية الحقيقية.
السودان اليوم أمام لحظة فاصلة؛ إما أن يختار طريق الدولة المدنية الديمقراطية القائمة على القانون والمؤسسات والعدالة، أو يظل أسيراً لدورات الحرب والانقلابات والنفوذ المسلح. والتاريخ لن يرحم الذين يضيّعون هذه الفرصة الأخيرة لإنقاذ وطن أنهكته الصراعات.
إن بناء سودان جديد لا يبدأ بالشعارات، بل بإرادة سياسية وأخلاقية تؤمن بأن الوطن أكبر من الجيوش والأحزاب والطموحات الشخصية، وأن كرامة الإنسان السوداني وحقه في السلام والعدالة يجب أن تكون الأساس الذي تُبنى عليه الدولة القادمة.
Prev Post
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.