لم تعد الأزمة السودانية مجرد صراع سياسي عابر أو حرب بين قوتين عسكريتين تتنازعان السلطة، بل أصبحت أزمة عميقة تتعلق بشكل الدولة نفسها، وطبيعة العلاقة بين السودانيين، والأسس التي قام عليها الحكم منذ الاستقلال وحتى اليوم. وما لم يواجه السودانيون هذه الحقيقة بشجاعة، فإن البلاد ستظل تدور في الحلقة نفسها؛ انقلاب، حرب، اتفاق هش، ثم انهيار جديد.
لقد أثبتت التجارب المتراكمة أن الدولة التي تُبنى على الإقصاء والهيمنة الأيديولوجية لا يمكن أن تستقر. وكل مشروع حاول احتكار السودان باسم الدين أو العرق أو الجهة أو القوة العسكرية انتهى إلى مزيد من الانقسام والدمار. وما تعيشه البلاد اليوم هو النتيجة الطبيعية لعقود طويلة من إدارة الدولة بعقلية التمكين والاستحواذ، لا بعقلية المواطنة والشراكة الوطنية.
ولهذا، فإن السودان لم يعد بحاجة فقط إلى تسوية سياسية توقف الحرب، بل إلى صياغة عقد اجتماعي جديد يعيد تعريف الدولة وعلاقتها بالمواطن، ويؤسس لوطن يشعر فيه الجميع أنهم متساوون في الحقوق والواجبات، دون تمييز أو امتيازات أو احتكار للسلطة والثروة.
العقد الاجتماعي الجديد الذي يحتاجه السودان يجب أن يقوم أولاً على مبدأ المواطنة المتساوية، باعتبارها الأساس الوحيد للحقوق السياسية والمدنية، بعيداً عن الانتماءات الحزبية أو القبلية أو الدينية. فلا يمكن بناء دولة مستقرة إذا ظل بعض السودانيين يشعرون أنهم أصحاب البلاد، بينما يُنظر إلى آخرين باعتبارهم هامشاً أو تابعين أو مجرد أرقام في معادلات السلطة.
كما أن هذا العقد يجب أن يحسم بصورة واضحة علاقة المؤسسة العسكرية بالدولة. فالتجربة أثبتت أن عسكرة السياسة كانت من أكبر معوقات التحول الديمقراطي، وأن الجيوش عندما تدخل معركة الحكم تتحول الدولة نفسها إلى ساحة صراع مفتوح. المطلوب جيش قومي مهني يحمي الدستور، لا سلطة سياسية تنافس المدنيين على الحكم والاقتصاد والنفوذ.
ومن أهم ما يجب أن يتضمنه أي عقد جديد أيضاً تفكيك دولة التمكين التي أسستها الحركة الإسلامية خلال عقود حكمها، والتي قامت على احتكار مؤسسات الدولة وتسييس الخدمة المدنية والأجهزة العدلية والأمنية. فالدولة لا يمكن أن تكون ملكاً لجماعة أو حزب أو تنظيم، بل يجب أن تعود مؤسسة وطنية محايدة تخدم جميع السودانيين بلا استثناء.
السودان يحتاج كذلك إلى مصالحة تاريخية حقيقية تعترف بالمظالم التي تعرضت لها مناطق واسعة من البلاد، خاصة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وشرق السودان. فلا سلام مستداماً دون عدالة، ولا وحدة وطنية دون اعتراف صريح بالأخطاء التي قادت إلى الحروب والانقسامات.
ولعل أخطر ما كشفته الحرب الحالية هو هشاشة فكرة الدولة نفسها. فقد انهارت مؤسسات، وتفككت مدن، وارتفعت خطابات الكراهية والجهوية بصورة غير مسبوقة. وهذا يعني أن إعادة بناء السودان لن تكون مجرد مهمة سياسية، بل مشروعاً مجتمعياً وثقافياً وأخلاقياً يحتاج إلى مشاركة الجميع.
إن العقد الاجتماعي الجديد ليس وثيقة تُكتب على الورق فقط، بل رؤية لمستقبل مختلف، تُبنى فيه الدولة على سيادة القانون، واستقلال القضاء، والعدالة الاجتماعية، والتوزيع العادل للسلطة والثروة، واحترام التنوع السوداني بوصفه مصدر قوة لا سبباً للصراع.
لقد جرّب السودانيون لعقود طويلة حكم الفرد، وحكم الحزب الواحد، وتحالفات العسكر والأيديولوجيا، وكانت النتيجة دائماً مزيداً من الدماء والانهيار. وربما تكون هذه المأساة الحالية، رغم قسوتها، فرصة أخيرة لإعادة التفكير في شكل الوطن الذي نريد أن نتركه للأجيال القادمة.
فالسودان لن ينجو بالحرب، ولا بالشعارات، ولا بإعادة تدوير القوى التي قادت البلاد إلى هذه الكارثة، بل بإرادة وطنية تضع الإنسان السوداني أولاً، وتؤمن بأن الوطن لا يمكن أن يُدار بعقلية الغلبة، وإنما بعقد اجتماعي عادل يتسع للجميع.
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.