في وقت يواصل فيه السودان النزيف، وتزداد معاناة الملايين تحت وطأة الحرب والجوع والنزوح والانهيار الكامل لمؤسسات الحياة، تعود التحركات السياسية والدبلوماسية مجدداً بحثاً عن نافذة أمل توقف هذه الكارثة الإنسانية التي دخلت عامها الرابع بلا أفق واضح.
فقد جددت الآلية الخماسية دعوتها إلى المشاركين في اجتماع برلين لعقد جولة جديدة من المشاورات في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا خلال الفترة من الثالث إلى الخامس من يونيو المقبل، بهدف استكمال النقاشات المتعلقة بوثيقة المخرجات والقضايا المطروحة، في خطوة تعكس استمرار الجهود الإقليمية والدولية لدفع مسار الحوار ومحاولة كسر حالة الجمود التي تخيم على الأزمة السودانية.
ورغم أن السودانيين سمعوا خلال السنوات الماضية الكثير من المبادرات والاجتماعات والوعود التي انتهت غالباً دون نتائج حقيقية، فإن أي تحرك يسعى لإيقاف الحرب يبقى مهماً وضرورياً، لأن البديل عن الحوار اليوم ليس سوى مزيد من الدماء والدمار والانهيار.
الحرب في السودان لم تعد مجرد صراع سياسي أو عسكري بين أطراف تتنافس على السلطة، بل أصبحت مأساة وطنية شاملة. ملايين المواطنين فقدوا منازلهم وأمنهم ومصادر رزقهم، ومدن كاملة تحولت إلى ساحات خراب، بينما يكبر جيل كامل وسط الخوف والجوع وفقدان الأمل.
ولهذا، فإن أهمية اجتماع أديس أبابا لا تكمن فقط في الوثائق أو البيانات السياسية، بل في قدرته ـ إن توفرت الإرادة الحقيقية ـ على فتح الطريق أمام وقف شامل للحرب وإنقاذ ما تبقى من الدولة السودانية.
السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من المناورات السياسية أو الحسابات الضيقة، بل إلى شجاعة أخلاقية ووطنية تعترف بأن استمرار القتال يعني ببساطة استمرار موت الأبرياء. فلا يوجد انتصار حقيقي فوق أنقاض المدن ودموع النازحين وجثث الأطفال.
كما أن أي عملية سياسية جادة يجب ألا تقتصر على ترتيبات تقاسم السلطة أو التوازنات العسكرية، بل ينبغي أن تنطلق من معاناة الشعب السوداني نفسه، ومن حقه في السلام والعدالة والحياة الكريمة. فالحرب كشفت بوضوح حجم الخراب الذي أصاب الدولة، وأثبتت أن السودان لا يمكن أن يُحكم بالقوة العسكرية أو الهيمنة الأيديولوجية أو الإقصاء.
ومن هنا، فإن نجاح أي مشاورات قادمة يتطلب إشراك القوى المدنية الحقيقية، والاستماع إلى أصوات الضحايا والنازحين والشباب والنساء، لا الاكتفاء بالنخب التقليدية التي ظلت تدور في حلقات الصراع نفسها لعقود.
إن السودانيين اليوم لا ينتظرون معجزات، بل ينتظرون فقط قراراً شجاعاً بوقف الحرب. ينتظرون أن تتقدم لغة العقل على صوت السلاح، وأن يدرك الجميع أن الوطن ينهار، وأن استمرار المعركة لن يترك منتصرين، بل مزيداً من الخراب الذي سيطول الجميع بلا استثناء.
وربما تكون اجتماعات أديس أبابا فرصة جديدة، وربما أخيرة، لإعادة وضع السودان على طريق السلام. لكن نجاح هذه الفرصة سيظل مرهوناً بقدرة الأطراف المختلفة على تقديم مصلحة الشعب فوق الحسابات السياسية والعسكرية، والإيمان بأن إنقاذ السودان أهم من أي سلطة أو نفوذ.
فلا شيء اليوم أكثر إلحاحاً من وقف هذه الحرب، وإنقاذ شعب أنهكته المآسي، ويحلم فقط بوطن آمن يستحق الحياة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.