في خضم حرب مدمرة تعصف بالسودان منذ أبريل 2023، يعود المراقبون إلى جذور الأزمة الهيكلية التي أنتجت هذا الانهيار، ويجدون أن خيوطها تمتد إلى ثلاثة عقود من سيطرة الحركة الإسلامية السودانية على مفاصل الدولة، وتوظيف مؤسساتها — بما فيها المؤسسة العسكرية — أدواتٍ لتثبيت نفوذها، لا لخدمة المواطن.
لم يكن الجيش السوداني في عهد الإنقاذ مؤسسةً وطنية بالمعنى الكامل؛ إذ جرى تفريغه من ضباطه المهنيين عبر موجات تطهير واسعة عقب انقلاب يونيو 1989، وإحلال الموالين للحركة الإسلامية في مواقع القيادة. وأُسست قوات الدعم السريع لاحقاً من رحم مليشيا الجنجويد، لتكون ورقة ضغط موازية، قبل أن يتحول التنافس على الثروة والنفوذ بين الفصيلين إلى حرب شاملة دفع ثمنها المدنيون.
يقول قياديون في تحالف “صمود”، من بينهم خالد عمر يوسف، إن ما يجري اليوم ليس سوى حصاد مر لعقود من تسييس المؤسسة العسكرية وربطها بمشروع سلطوي بعينه، مشيرين إلى أن عودة بعض المدن إلى “حضن الوطن” — على أهميتها — لا تعني انتهاء المأساة ما دامت الحرب تستعر في مناطق واسعة، وما دام الملايين نازحين لا يجدون طريق العودة.
اعتمدت الحركة الإسلامية منهجاً ممنهجاً لشراء الولاءات على حساب مؤسسات الدولة. فعلى صعيد التوظيف العقائدي، هيمنت الكوادر الحركية على الخدمة المدنية والقضاء والإعلام والتعليم، مع إقصاء الكفاءات المستقلة وتهميشها. وعلى صعيد الاقتصاد، نشأت شبكة من الشركات الحركية والعسكرية التي استنزفت الثروة الوطنية خارج نطاق الرقابة والمحاسبة، ما أنتج طبقة مستفيدة مرتبطة ببقاء النظام ارتباطاً عضوياً. فضلاً عن ذلك، وُظِّف الخطاب الديني لتبرير الاستمرار في القتال، وتصوير أي دعوة لوقف إطلاق النار باعتبارها تفريطاً في “الثوابت”.
يطرح خالد عمر يوسف سؤالاً محورياً: ما المسوّغ الأخلاقي والسياسي لاستمرار الحرب يوماً واحداً بعد الآن؟
السؤال ليس بلاغياً، بل يكشف معادلة مأساوية يعيشها أكثر من عشرة ملايين نازح داخلياً، وما يزيد على مليوني لاجئ خارج الحدود، فيما يحتاج أكثر من خمسة وعشرين مليون مواطن إلى مساعدة إنسانية عاجلة. وتمتد مناطق خارج سيطرة الدولة في شريط واسع من دارفور إلى أجزاء من الخرطوم والجزيرة، في مشهد يكشف حجم الانهيار الذي آلت إليه البلاد.
في هذا السياق، يرى المحللون أن استمرار الحرب لا يخدم سوى أطراف بعينها تجد في الفوضى بيئةً لإعادة إنتاج نفوذها، في مقابل مدنيين يتساقطون بين مطرقة الجوع وسندان النزوح.
خلّفت الهيمنة الإسلاموية على السودان إرثاً من الدمار الممنهج طال كل مفاصل الدولة والمجتمع.
على الصعيد المؤسسي، تفكك منظومة الخدمة المدنية وتحلل القضاء المستقل وانهيار التعليم العام بعد عقود من أدلجته وتحويله إلى أداة لإعادة إنتاج الولاء الحركي. وعلى الصعيد الاقتصادي، شهد نصيب الفرد من الدخل تراجعاً حاداً، وعصف التضخم بمدخرات الطبقة الوسطى، فيما استُنزفت عائدات النفط في تمويل الأجهزة الأمنية بدلاً من توجيهها نحو التنمية.
أما على الصعيد الاجتماعي، فقد جرى تفتيت النسيج الوطني وتغذية النعرات القبلية والجهوية كأداة للسيطرة، وهو ما يُعدّ من بين الأسباب العميقة للحرب الراهنة في دارفور وسائر الأقاليم. وعلى الصعيد الإنساني، يعاني السودان اليوم واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم، حيث صنّف خبراء الأمن الغذائي مناطق بأكملها في مراحل متقدمة من المجاعة.
يبقى هذا السؤال من أكثر الأسئلة إلحاحاً في المشهد السوداني الراهن. فمنذ ثورة ديسمبر 2018 وما تلاها من ضغوط دولية، فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وعدد من الدول الغربية عقوبات على شخصيات وكيانات مرتبطة بالمنظومة الإسلاموية، استهدفت شبكات التمويل والشركات الحركية والأفراد المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان.
غير أن المراقبين يُجمعون على أن أثر هذه العقوبات ظل محدوداً لأسباب بنيوية عدة؛ إذ نجحت الحركة على مدى عقود في تنويع مصادر تمويلها وتوزيع أصولها عبر شبكات معقدة تمتد إلى دول الخليج وتركيا وبعض الدول الأفريقية، مما جعل العقوبات تصطدم بجدران التحايل والتهرب. فضلاً عن ذلك، تحولت الحرب ذاتها إلى بيئة خصبة لتجديد الحركة نفوذها، إذ وجد كوادرها في الفوضى فرصةً لإعادة التموضع داخل المؤسسة العسكرية وشبكات الاقتصاد الموازي.
ويرى فريق من المحللين أن العقوبات، رغم رمزيتها السياسية، لن تكون رادعاً فعلياً ما لم تترافق مع مسار سياسي داخلي يُفضي إلى محاسبة حقيقية، وما لم تمتلك القوى المدنية السودانية مشروعاً بديلاً قادراً على ملء الفراغ. أما الرهان على العقوبات وحدها، فلن يُنتج سوى حركة تعيد تشكيل واجهاتها بينما تحتفظ بجوهر نفوذها.
خاتمة
لا يختلف المراقبون في أن الطريق الأقصر لوقف النزيف — كما يقول خالد عمر يوسف — يمر عبر وقف إطلاق النار فوراً، وإطلاق مسار سياسي جاد يُخرج المؤسسة العسكرية من التجاذب العقائدي ويعيدها إلى وظيفتها الوطنية الأصلية، ويُفضي إلى محاسبة حقيقية على جرائم الماضي والحاضر معاً.
أما الرهان على الحسم العسكري في ظل هذا الدمار الإنساني، فلن يُنتج — وفق هؤلاء — سوى المزيد من الخراب، وسوداناً أشد هشاشةً مما كان عليه في أي مرحلة من مراحل تاريخه الحديث.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.