بين التسوية الليبراليه وسلطة الشعب

عبدالحافظ سعد الطيب

هل أعادت النخب السودانية إنتاج الفشل حين وثقت في العسكر أكثر من الجماهير؟
السؤال ليس انفعالًا عابرًا، بل هو خلاصة تجربة سياسية ثقيلة عاشها السودان منذ لحظة الثورة وحتى الانهيار الحالي.
تجربة بدأت بأمل كبير، ثم دخلت في مسار تسوية معقد، وانتهت بانقلاب ثم حرب مفتوحة مزّقت الدولة والمجتمع.
في قلب هذا المسار يبرز سؤال جوهري: هل كان الخطأ الأساسي في التسوية نفسها، أم في طريقة إدارة العلاقة بين النخب السياسية والجماهير التي صنعت الثورة؟
الجماهير التي أسقطت رأس النظام… ثم أُبعدت عن الفعل
الثورة السودانية لم تُصنع في القاعات المغلقة،
بل في الشوارع، والاعتصامات، ولجان المقاومة، وأصوات الشباب التي كسرت حاجز الخوف.
لكن بعد لحظة السقوط، حدث تحول خطير:
تراجع الفعل الجماهيري لصالح التفاوض،
تقلص دور “برلمان الشارع” غير الرسمي،
وبدأت السياسة تُدار داخل غرف ضيقة بين النخب.
هنا بدأ الانفصال التدريجي بين الثورة كقوة شعبية، وبين السلطة كعملية تفاوضية فوقية.

النخب بين الواقعية السياسية ووهم السيطرة
هو مايفشلنا
بعض النخب السياسية بررت هذا المسار بأنه “واقعية” تفرضها موازين القوة، وبأن التعامل مع المؤسسة العسكرية ضرورة لا يمكن تجاوزها.
لكن الإشكال لم يكن في التفاوض بحد ذاته،
بل في تحويله إلى مركز السياسة الوحيد،
وفي الاعتقاد الضمني أن حماية الانتقال يمكن أن تتم دون حضور جماهيري ضاغط ومنظم.
بينما التجارب التاريخية تقول العكس: كلما ضعفت الجماهير كقوة سياسية منظمة، زادت قابلية التحول للانتكاس.

وجدي صالح: المعرفة المبكرة وحدود الإفصاح ومفهوم السلطه

في هذا السياق، تأتي شهادة وجدي صالح لتكشف جزءًا من الصورة.
فهو يشير إلى أن قوى الثورة كانت تدرك مبكرًا وجود نوايا انقلابية داخل المؤسسة العسكرية، وأن مؤشرات عديدة كانت تُقرأ كعلامات على تهيئة المشهد لانقلاب لاحق.
لكن في الوقت نفسه، يوضح أنهم لم يكونوا قادرين على كشف كل ما يعرفونه للجمهور في حينه، بسبب تقديرات تتعلق بالأمن واحتمالات التصعيد.
وهنا يظهر السؤال الحساس: من يملك حق تقدير ما يُقال للجماهير وما يُخفى عنها في لحظات التحول الكبرى؟

الحزب الشيوعي وسؤال البديل المبكر
منذ وقت مبكر، كان الحزب الشيوعي السوداني من أبرز القوى التي رفضت منطق الشراكة مع العسكريين، واعتبرت أن التسوية ستعيد إنتاج النظام القديم بأشكال جديدة.
قد يختلف البعض مع رؤيته،
لكن لا يمكن إنكار أنه طرح مبكر لسؤال جوهري: هل يمكن بناء ديمقراطية حقيقية دون ميزان قوة شعبي حاضر وفاعل؟
هذا السؤال لم يجد نقاشًا كافيًا داخل معسكر السلطة الانتقالية، بل تم التعامل معه
كصوت خارج الإجماع.

سلك وإشكالية التفاوض مع العسكر ومافي حاجه اسمها جماهير كلهم الف شخص بيعرفوا بعض
وفي جانب آخر من المشهد، برزت مواقف سلك ضمن الجدل حول الإصلاح الأمني والعسكري والتفاوض مع المؤسسة العسكرية.
وهنا يظهر النقاش القديم المتجدد: هل يمكن إصلاح مؤسسة عسكرية عميقة النفوذ عبر التفاوض وحده؟
اذا كان العسكر محكومين بدستور مدني كيف يكون سلطتهم أعلى من السلطة المدنية ده توهم مثل توهم البندقية أقوى

أم أن أي عملية إصلاح حقيقية تحتاج إلى ضغط شعبي منظم، يوازي قوة السلاح نفسه عبر الشرعية والحشد والمقاومة المدنية؟
المسألة ليست رفضًا للتفاوض،
بل رفضًا لتحويله إلى بديل عن القوة الشعبية المنظمة.

جوهر الأزمة: الخوف من الجماهير لا من العسكر فقط
أحد أكثر التناقضات وضوحًا في التجربة السودانية أن بعض النخب الليبراليه السياسية كانت تخشى انفجار الشارع وعدم رجوعه أكثر مما تخشى المؤسسة العسكرية نفسها.
لذلك جرى تدريجيًا:
احتواء الفعل الجماهيري،
تقليص دور الشارع،
وإعادة تعريف الثورة كـ“مرحلة انتقالية تُدار من فوق”.
لكن حين غابت الجماهير كقوة ضغط منظمة، اختل ميزان القوى بالكامل، ووجدت التسوية نفسها بلا حماية حقيقية.
هل أخطأت النخب مرة أخرى؟
السؤال اليوم لم يعد نظريًا.
فالنتائج واضحة:
انهيار التسوية،
انقلاب،
ثم حرب مدمرة.
لذلك يصبح السؤال أكثر قسوة: هل أعادت النخب السودانية إنتاج نفس نمط الفشل، حين وثقت في العسكر أكثر من الجماهير؟
الإجابة نعم مطلقة، لكن المؤكد أن:
تقليل الاعتماد على القوة الشعبية،
وتضخيم الرهان على التسويه ،
وإضعاف أدوات الرقابة الجماهيرية،
كانت عناصر أساسية في هشاشة وهزيمة المرحلة الانتقالية.
نحو مراجعة ونقد لا تُجمّل التجربة
ما يحتاجه السودان اليوم ليس إدانة طرف واحد،
بل مراجعة شاملة تعترف بأن:
الثورة كانت عظيمة،
لكن إدارة ما بعد الثورة كانت ضعيفة،
وأن أكبر خسارة ربما كانت في إبعاد الجماهير عن موقعها الطبيعي كفاعل سياسي دائم.
لهذا يصبح النقاش الحقيقي هو:
كيف يُعاد بناء علاقة السياسة بالجماهير الثوريه وتعترف بها عمليا
بحيث لا تُختزل الثورة مرة أخرى في تسويات فوقية، ولا تُترك السلطة بلا حماية شعبية حقيقية؟
لأن كل تجربة لا تُراجع بصدق،
ستُعاد بنفس الأخطاء،
لكن بثمن أكبر في كل مرة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.