وحدة القوى المدنية.. الطريق الوحيد لإنقاذ السودان

نورا عثمان

بين ركام الحرب، وصوت المدافع، واتساع رقعة النزوح والموت، يواجه السودان اليوم أخطر لحظة في تاريخه الحديث. لم تعد المعركة مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين يتنازعان السلطة، بل أصبحت حرباً تهدد وجود الدولة نفسها، وتفتح الباب أمام سيناريوهات التفكك والانقسام والانهيار الكامل للمجتمع السوداني.

وفي ظل هذا المشهد القاتم، تبدو القوى المدنية أمام مسؤولية تاريخية لا تحتمل المزيد من التردد أو الانقسام. فالسودان لا يحتاج اليوم إلى معارك سياسية صغيرة، ولا إلى تنافس على المواقع والمقاعد، بل يحتاج إلى جبهة مدنية واسعة تمتلك الشجاعة الكافية لرفع صوت السلام في وجه دعاة الحرب، والقدرة على الدفاع عن مشروع الدولة المدنية في مواجهة مشاريع السلاح والتقسيم.

لقد أثبتت الحرب أن القوى العسكرية، مهما رفعت من شعارات، لا تستطيع بناء دولة مستقرة. فالرصاص لا يصنع وطناً، والانتصارات العسكرية لا تعالج الجراح العميقة التي خلفتها سنوات الاستبداد والتهميش والانقسام. وكل يوم تستمر فيه الحرب، يخسر السودان جزءاً جديداً من اقتصاده ومؤسساته ونسيجه الاجتماعي.

المؤلم أن الانقسامات التي أصابت القوى المدنية خلال السنوات الماضية ساهمت ـ بشكل أو بآخر ـ في إضعاف الجبهة المطالبة بالديمقراطية، ومنحت القوى المسلحة والتنظيمات الأيديولوجية مساحة أكبر للتحكم في مصير البلاد. وبينما تتوحد جماعات المصالح حول السلطة والنفوذ، لا تزال بعض القوى المدنية غارقة في خلافات التفاصيل والحسابات الضيقة، رغم أن الخطر الذي يهدد السودان أصبح أكبر من الجميع.

إن محاولات تقسيم السودان لم تعد مجرد مخاوف نظرية. الحرب الحالية عمقت الانقسامات الجهوية والقبلية والسياسية، وخلقت واقعاً هشاً يمكن أن يقود إلى تفكك الدولة إذا استمر الصراع لفترة أطول. وهناك قوى داخلية وخارجية تستفيد من استمرار الفوضى، لأنها ترى في السودان المنقسم والضعيف ساحة مفتوحة للمصالح والنفوذ.

ولهذا، فإن وحدة القوى المدنية لم تعد خياراً سياسياً، بل ضرورة وطنية وأخلاقية. المطلوب اليوم ليس مجرد تحالفات مؤقتة أو بيانات مشتركة، بل مشروع وطني حقيقي يعيد بناء الثقة بين مكونات المجتمع السوداني، ويؤسس لرؤية واضحة تقوم على إنهاء الحرب، ورفض عسكرة الدولة، والدفاع عن وحدة السودان وسيادته.

كما أن القوى المدنية مطالبة بالاقتراب أكثر من معاناة الناس الحقيقية؛ من ملايين النازحين والجوعى والمرضى الذين لم يعودوا يهتمون بمن ينتصر سياسياً، بقدر ما يبحثون عن الأمان وحق الحياة. فالمعركة الحقيقية الآن هي معركة إنقاذ وطن ينهار أمام أعين أبنائه.

إن السودان لن يخرج من هذه الكارثة عبر البندقية، ولا عبر إعادة تدوير النخب القديمة أو المشاريع الأيديولوجية التي فشلت لعقود. الطريق الوحيد يبدأ بوحدة وطنية مدنية واسعة تؤمن بأن الوطن أكبر من الأحزاب والجماعات، وأن السلام ليس ضعفاً، بل شجاعة ومسؤولية تجاه شعب أنهكته الحروب.

ربما تبدو المهمة صعبة في ظل هذا الخراب الكبير، لكن التاريخ يعلمنا أن الأوطان لا تُنقذ إلا عندما ترتفع الأصوات العاقلة فوق ضجيج السلاح، وعندما تدرك القوى المدنية أن وحدتها ليست مصلحة سياسية فقط، بل آخر خط دفاع عن السودان نفسه.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.