البرهان يلم شمل المزروعين في الدعم السريع ويعيدهم إلى حضن النظام

نفيسة حجر

​لم تعد اللعبة الأمنية في السودان تحتاج إلى ذكاء لتفكيكها فالأقنعة تسقط دفعة واحدة، والمسرحية الهزلية التي طُبخت في غرف “الاستخبارات المضادة” المختطفة من قِبل الحركة الإسلامية تُعرض فصولها الأخيرة علناً أمام الشعب. إن موجة الانشقاقات المتتالية القادة وعودتهم المفاجئة إلى حضن الجيش، ليست صحوة ضمير وطنية، بل هي عملية سحب وإعادة تدوير للأدوات الوظيفية والمزروعين بعد أن أدوا مهامهم المرسومة.
وتاريخياً، لم يخرج الدعم السريع من قبعة ساحر بل هو الابن الشرعي لنظام الانقاذ الذي شرعنه وقننه ببرلمان عام 2017 ليصنع منه غولاً موازياً يحمي عروشه، ولكن عندما شبّ الغول عن الطوق وانقلب السحر على الساحر، فجرت تلك الغرف المظلمة حريق الحرب الشاملة في مفاصل الدولة، واليوم يتباكى ذات التنظيم على مؤسساتها!
​وتأتي الاعترافات الفاضحة من قمة الهرم لتصعق الشارع فبينما يخرج عبد الفتاح البرهان ليعلن بملء فمه أن القيادي “أبو عاقلة كيكل” كان مجرد “مشروع مخترق ومزروع” منذ البداية، يفجر القيادي المقرب من النظام البائد حسن إسماعيل (حسن طرحة) المفاجأة الأخطر ليرفع الستار عن كذبة الانشقاقات من أساسها إذ خرج علناً ليبرئ الدعم السريع من القيادي “السافنا” (علي رزق الله) وجرائمه، مؤكداً أن السافنا لم يقاتل يوماً تحت راية المليشيا، بل كان مسماراً أمنياً مزروعاً يمد الجيش بالإمداد والمعلومات من داخل الميدان!
هذه الاعترافات المتقاطعة ليست إنجازات عسكرية، بل هي صكوك إدانة رسمية تثبت أن الاستخبارات المضادة أدارت ملفات الأمن القومي كحقل تجارب لتزييف وعي الشعب وتفجير البلاد في اللحظة التي يهدد فيها الوعي المدني وجودهم العقائدي والمالي.
​ولأنها مسرحية سمجة، فإن تغيير الجلود لم يقتصر على العسكريين فها هو بوق الكيزان إبراهيم بقال يطل علينا فجأة بزي الحركات المسلحة مدعياً “تحرير الوطن”، بعد أن قضى أشهر الحرب الأولى مبرراً لانتهاكات المليشيا وناصباً نفسه والياً على الخرطوم المستباحة، في حركة بهلوانية تؤكد أن هؤلاء مجرد دمى تُحرّك بـ “ريموت كنترول” عقائدي.
وفي ذات السياق العبثي، تبرز المواقف السياسية المائعة لتثير الأسف لعل أبرزها حديث حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، بانهم ليس لديهم مشكلة مع السفاح المدعو “أبو لولو” بذريعة أن المشكلة ليست معه بل مع من أصدر الأوامر، وفي السابق أكد “أبو لولو” نفسه في تصريحاته الفاضحة أنه لا يتلقى أي تعليمات من قيادة الدعم السريع، مما يقطع الشك باليقين بأننا أمام شبكة أمنية مزروعة وموجهة بالكامل بواسطة فلول النظام البائد لارتكاب فظائع محددة وتوظيفها لابتزاز المشهد السياسي.
​وهنا نقف وقفة قانونية وحقوقية قاطعة لا تقبل المواربة: إن جميع الجرائم والفظائع التي ارتكبها هؤلاء الوكلاء والمزروعون، يرتد عبئها الجنائي والأخلاقي مباشرة على الجهة التي زرعتهم وقننت وجودهم وزيفت مسرحيات انشقاقهم .
إن التغلغل العقائدي للحركة الإسلامية في مفاصل الجيش واختطافها لقرار السلم والحرب عبر أجهزة الاستخبارات و”كتائب الظل” و”البراء بن مالك”، يضعها في قفص الاتهام الأول فمن شرعن المليشيات بالأمس، ومن اخترقها بالفلول اليوم ليفجر المدن انتقاماً من ثورة ديسمبر، هو المسؤول الأول عن كل قطرة دم سُفكت، وعن كل منزل أُنتهك، وعن تهجير الملايين. إن الهدف الحقيقي لهذه الحرب يتلخص في معادلة انتقامية واحدة: “إما أن نحكمكم أو نجعلكم بلا وطن”، في محاولة يائسة لغسل جرائم ثلاثين عاماً بمحرقة أكبر، وقطع الطريق أمام أي أفق لحكومة مدنية تسعى لمحاسبة الفاسدين واسترداد أموال الشعب المنهوبة. اخر قولي:
إن لعبة تدوير المزروعين، وتغيير جلود الأبواق، وعودة الوكلاء إلى منبتهم الأصلي، لن تعفيهم ولن تعفي صانعيهم من الحساب الحتمي فالتاريخ لا يرحم، ودماء السودانيين ودموع المهجرين ستبقى طوقاً يلتف حول عنق التنظيم الذي استحل إحراق شعب بأكمله من أجل مقعد سلطة زائل، والردة مستحيلة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.