علي كرتي وتحركات ما بعد الحرب.. قنوات سرية نحو واشنطن وتل أبيب لإعادة التدوير.. الإسلاميون يستبقون نهاية الحرب

تقرير: عين الحقيقة

في وقت تتزايد فيه المؤشرات على دخول الحرب السودانية مرحلة إعادة ترتيب النفوذ والتفاهمات الإقليمية، كشفت معلومات حصلت عليها منصة “عين الحقيقة” عن تحركات يقودها الأمين العام للحركة الإسلامية السودانية علي أحمد كرتي، لفتح قنوات اتصال غير معلنة مع دوائر أمريكية وإسرائيلية نافذة، في محاولة لإعادة تموضع التيار الإسلامي داخل معادلة ما بعد الحرب. وبحسب مصادر سياسية ودبلوماسية متطابقة تحدثت لـ“عين الحقيقة”، فإن التحركات الجارية لا تقتصر على البحث عن مخرج للعزلة الدولية التي تواجهها الحركة الإسلامية، بل تستهدف ضمان بقاء الإسلاميين ضمن أي ترتيبات سياسية أو أمنية مقبلة في السودان، حتى وإن تغيرت الواجهات العسكرية والسياسية الحالية.

قيادات داخل الحركة الإسلامية باتت تدرك أن استمرار الحرب بصيغتها الحالية يهدد بخسارة نفوذها بالكامل

وتشير المصادر إلى أن قيادات داخل الحركة الإسلامية باتت تدرك أن استمرار الحرب بصيغتها الحالية يهدد بخسارة نفوذها بالكامل، خاصة مع تصاعد الضغوط الدولية المرتبطة بجرائم الحرب والانهيار الإنساني، إلى جانب تراجع قدرة المؤسسة العسكرية على حسم الصراع ميدانياً.
من هو علي كرتي؟
يُعد علي أحمد كرتي واحداً من أكثر الشخصيات نفوذاً داخل الحركة الإسلامية السودانية، وارتبط اسمه لعقود بالمراكز الصلبة للسلطة في عهد الرئيس المعزول عمر البشير. برز كرتي في تسعينيات القرن الماضي كأحد قادة “الدفاع الشعبي”، وهو التشكيل شبه العسكري الذي اعتمد عليه نظام الإنقاذ في الحرب الأهلية بجنوب السودان، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى مواقع سياسية واقتصادية مؤثرة داخل الدولة والحزب الحاكم آنذاك. وشغل كرتي منصب وزير الخارجية بين عامي 2010 و2015، كما لعب دوراً محورياً في إدارة علاقات السودان الإقليمية خلال سنوات العزلة الدولية والعقوبات الأمريكية.
ويعتبره مراقبون أحد أبرز مهندسي النفوذ الاقتصادي والتنظيمي للحركة الإسلامية داخل مؤسسات الدولة، حيث ارتبط اسمه بشبكات رجال الأعمال والاستثمارات التابعة للإسلاميين، إضافة إلى علاقاته الواسعة داخل المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية. ورغم تراجع الظهور العلني لكرتي بعد سقوط نظام البشير عام 2019، فإن مصادر سياسية تؤكد أنه ظل لاعباً أساسياً في إعادة ترتيب صفوف الإسلاميين، مستفيداً من حالة الفوضى والانقسام التي أعقبت الحرب الحالية.

مصادر: الطرح الذي يجري تسويقه يتضمن رسائل تتعلق بإمكانية قبول الإسلاميين بتفاهمات مرتبطة بالمحكمة الجنائية الدولية

قنوات ضغط واتصالات غير معلنة
ووفق المعلومات التي حصلت عليها “عين الحقيقة”، فإن كرتي تحرك خلال الأشهر الماضية عبر وسطاء وشركات ضغط وعلاقات عامة مرتبطة بدوائر القرار في واشنطن، مقدماً تصوراً يقوم على استعداد الإسلاميين لعدم عرقلة أي تسوية سياسية تنهي الحرب. وتقول المصادر إن الطرح الذي يجري تسويقه يتضمن رسائل تتعلق بإمكانية قبول الإسلاميين بتفاهمات مرتبطة بالمحكمة الجنائية الدولية، بما في ذلك ملف المطلوبين، مقابل إعادة فتح قنوات التواصل مع الغرب وتخفيف العزلة المفروضة على الحركة الإسلامية السودانية. وتضيف المصادر أن هذه التحركات تعكس إدراكاً داخل التيار الإسلامي بأن العودة إلى السلطة بصيغتها القديمة أصبحت شبه مستحيلة، ما يدفعه للبحث عن صيغة جديدة تضمن استمرار النفوذ داخل مؤسسات الدولة والأجهزة العسكرية والأمنية.
بوابة تل أبيب إلى واشنطن
المعلومات المتقاطعة تشير أيضاً إلى أن التحركات لم تقتصر على الدوائر الأمريكية، بل شملت محاولات لفتح خطوط اتصال مع شخصيات إسرائيلية نافذة، بهدف تسويق المبادرة داخل أروقة الإدارة الأمريكية، مستفيدين من تأثير جماعات الضغط المرتبطة بإسرائيل في ملفات الشرق الأوسط.
وفي إفادات خاصة نقلتها مصادر مطلعة، قال رجل الأعمال والضابط السابق في الاستخبارات الإسرائيلية آري بن ميناشي إنه التقى علي كرتي عدة مرات خلال السنوات الماضية، ورتب له لقاءات مع مسؤولين أمريكيين، من بينها اجتماع مع وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا.
وأضاف بن ميناشي أن تلك اللقاءات جرت خلال فترة شهدت خلافات وصراعات داخل نظام الرئيس المعزول عمر البشير، مشيراً إلى أن النقاشات تناولت مستقبل السلطة في السودان واحتمالات التغيير داخل النظام نفسه.

محللون: التحركات الحالية تكشف عن محاولة مبكرة لإعادة تدوير الإسلاميين ضمن ترتيبات ما بعد الحرب، خاصة مع تزايد الحديث عن تسويات إقليمية ودولية قد تفرض إعادة تشكيل السلطة في السودان.

إعادة تدوير الإسلاميين
ويرى محللون أن التحركات الحالية تكشف عن محاولة مبكرة لإعادة تدوير الإسلاميين ضمن ترتيبات ما بعد الحرب، خاصة مع تزايد الحديث عن تسويات إقليمية ودولية قد تفرض إعادة تشكيل السلطة في السودان. ويقول الباحث في شؤون الحركات الإسلامية محمد الأمين إن الحركة الإسلامية السودانية تمتلك خبرة طويلة في “إعادة التموضع”، موضحاً أنها كثيراً ما انتقلت بين الخطاب الأيديولوجي والبراغماتية السياسية وفقاً لموازين القوى. وأضاف أن التيار الإسلامي يسعى حالياً إلى تقديم نفسه كشريك يمكن التفاهم معه دولياً، وليس كتنظيم معزول أو راديكالي، خاصة بعد التغيرات التي شهدتها المنطقة وتراجع نفوذ جماعات الإسلام السياسي عربياً.
صراع النفوذ داخل معسكر بورتسودان
في المقابل، يرى مراقبون أن تحركات كرتي تعكس أيضاً صراعاً داخلياً مكتوماً بين مراكز النفوذ داخل معسكر بورتسودان، حيث تحاول قيادات إسلامية ضمان موقعها في أي ترتيبات قادمة، سواء عبر المؤسسة العسكرية أو من خلال تفاهمات سياسية خارجية. وتشير تقديرات سياسية إلى أن الإسلاميين يدركون أن مستقبلهم لن يُحسم فقط داخل السودان، بل عبر تفاهمات إقليمية ودولية تتعلق بشكل السلطة المقبلة وطبيعة العلاقة مع الغرب.
وفي ظل استمرار الحرب وتفاقم الأزمة الإنسانية، تبدو هذه التحركات مؤشراً إضافياً على أن معركة السودان لم تعد مجرد صراع عسكري على الأرض، بل تحولت إلى سباق معقد لإعادة تشكيل السلطة والنفوذ في مرحلة ما بعد الحرب.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.