«السافنا» و«القبة» مع الجيش.. هل يلعب البرهان على تناقضات الحلفاء والخصوم معاً؟
تقرير : عين الحقيقة
أعاد الإعلان عن انضمام القيادات الميدانية المنشقة عن الدعم السريع مؤخراً، العميد علي زرق «السافنا» واللواء النور أحمد آدم «القبة»، إلى صفوف الجيش السوداني، فتح النقاش حول طبيعة الحرب الدائرة في البلاد منذ 15 أبريل 2023، وحدود التداخل بين المعركة العسكرية والحرب النفسية والإعلامية، في ظل تزايد رغبة استخبارات الجيش في استخدام الانشقاقات والتحالفات القبلية كأدوات لإرباك الخصوم وصناعة مشاهد انتصار سريعة.
وبينما تعاملت منصات إعلامية موالية للجيش مع الخطوة باعتبارها تحولاً مهماً في موازين القوى، يرى ناشطون سياسيون أن الأمر يتجاوز البعد العسكري المباشر، ليدخل في إطار إدارة الصراع عبر تفكيك الحواضن الاجتماعية للخصوم، وإعادة إنتاج الانقسامات داخل البنية القبلية والعشائرية، خصوصاً في إقليمي دارفور وكردفان، اللذين ظلا، لعقود، مسرحاً لتقاطعات الأمن والقبيلة والسياسة.
ويربط خبير أمني، فضل حجب اسمه لـ«عين الحقيقة»، هذه الأساليب بإرث ما عُرف داخل أجهزة النظام السابق بـ«شعبة أمن القبائل»، وهي الآلية التي اعتمدت عليها أجهزة الحركة الإسلامية في إدارة التوازنات المحلية، عبر خلق المضادات داخل المكونات الاجتماعية، وتغذية الصراعات بين أبناء القبيلة الواحدة أو المجموعات المتجاورة، بما يضمن إنهاك الجميع وإضعاف أي مركز قوة مستقل.
وتابع الخبير الأمني أن المشهد الحالي يختلف بصورة كبيرة عن واقع ما قبل عقدين، عندما كانت أجهزة مخابرات الحركة الإسلامية تمسك بزمام الدولة والأمن والسيطرة السياسية بصورة شبه مطلقة.
وأوضح الخبير أن إعادة إنتاج السيناريوهات القديمة لم تعد عملية سهلة، لأن الحرب الحالية غيّرت طبيعة التحالفات ومراكز النفوذ الاجتماعية والسياسية داخل البلاد، كما غيّرت شكل التكوينات المسلحة نفسها.
وبحسب حديثه، فإن قوات الدعم السريع لم تعد مجرد قوة قبلية محدودة يمكن اختراقها عبر تحريك الانقسامات العشائرية، بل تحولت، خلال السنوات الماضية، إلى جسم عسكري واسع النفوذ، تشكّل من مجموعات جمعتها مخاوف البقاء والحماية أكثر من المصالح القبلية والاجتماعية التقليدية.
وأضاف أن محاولات تصوير الدعم السريع باعتباره مجرد امتداد لقبيلة أو مكوّن اجتماعي واحد تتجاهل التحولات التي شهدتها هذه القوات منذ مشاركتها في الحرب ضد الحركات المسلحة في دارفور، ثم توسعها لاحقاً على المستويات العسكرية والاقتصادية والسياسية.
إلى ذلك، أشار لواء م «م أ ع» بالجيش السوداني، فضل حجب اسمه، إلى أن قوات الدعم السريع تمكنت، خلال عقد ونيف مضى، من لعب دور عسكري مؤثر في دارفور، وحققت تفوقاً على عدد من الحركات المسلحة، وهو ما منحها ثقلاً ميدانياً ساعدها على تجاوز النفوذ التقليدي للإدارات الأهلية والقيادات القبلية.
وفي هذا السياق، اعتبر أن الشيخ موسى هلال فقد، عملياً، مشروعه السياسي والعسكري منذ صعود قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو «حميدتي»، وتحولها إلى قوة تمتلك مساحة حركة واسعة بالتنسيق مع الجيش خلال السنوات الماضية.
وأوضح أن قوات «حرس الحدود» التي أسسها موسى هلال لم تتمكن من بناء النفوذ العسكري والسياسي نفسه الذي حققته قوات الدعم السريع لاحقاً، الأمر الذي أدى إلى انتقال مركز القوة تدريجياً من الزعامات القبلية التقليدية إلى التشكيلات العسكرية الأكثر تنظيماً وتسليحاً.
ويرى اللواء أن أحد الفوارق الأساسية بين الماضي والحاضر يتمثل في تراجع قدرة زعماء القبائل على التحكم الكامل في المكونات الاجتماعية التابعة لهم، خاصة بعد اندلاع الحرب الحالية، واتساع نطاق النزوح والانهيار الاقتصادي والتفكك الأمني.
وقال إن الإدارات الأهلية لم تعد تمتلك السيطرة ذاتها على المجتمعات المحلية كما كان الحال في السابق، وهو ما يجعل استخدام الورقة القبلية أكثر تعقيداً وأقل فاعلية من التجارب القديمة التي أدارتها أجهزة النظام السابق.
وفي هذا الصدد، يرى مراقبون أن الترويج الإعلامي لانضمام «السافنا» و«النور القبة» يأتي ضمن سياسة أوسع لإدارة التوازنات داخل معسكر الجيش السوداني، وليس بالضرورة تعبيراً عن تحول حاسم في مسار الحرب.
ويعتقد هؤلاء أن قائد الجيش السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، يدير شبكة معقدة من التحالفات المتناقضة داخل المعسكر المناهض للدعم السريع، تضم الحركات المسلحة المشتركة، وكتائب «البراء» التابعة للإسلاميين، وقوات «درع السودان»، إلى جانب الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا «المشتركة»، وضباطاً داخل قيادة الجيش لديهم ارتباطات بالحركة الإسلامية.
وبحسب هذه القراءة، فإن البرهان لا يسعى فقط إلى إدارة الحرب ضد الدعم السريع، بل يعمل أيضاً على منع أي طرف داخل معسكره من التحول إلى مركز قوة مستقل يمكن أن يهدد موقعه السياسي والعسكري مستقبلاً.
ويرى مراقبون أن حالة التوازن الهش داخل تحالفات الجيش تدفع القيادة العسكرية إلى استخدام سياسة «إدارة التناقضات»، عبر إبقاء القوى المختلفة في حالة تنافس دائم، بما يمنع تشكل تحالف صلب قادر على فرض أجندته السياسية أو العسكرية بصورة منفردة.
وفي ظل هذا المشهد العسكري والسياسي المعقد للغاية، تبدو الانشقاقات والانضمامات مادة مثالية للحرب الإعلامية والدعاية السياسية، حيث يجري تضخيم انضمام «السافنا» و«النور القبة»، وتقديمه باعتباره مؤشراً على انهيار الخصوم أو تفككهم الداخلي، رغم أن الواقع الميداني لا يعكس بالضرورة هذه الصورة بصورة كاملة.
ويرى مراقبون أن الحرب السودانية دخلت مرحلة أصبحت فيها المعركة الإعلامية جزءاً أساسياً من الصراع، لا يقل تأثيراً عن المواجهات العسكرية المباشرة، خصوصاً مع اعتماد الأطراف المختلفة على صناعة السرديات وتوجيه الرسائل النفسية والسياسية إلى قواعدها الاجتماعية وحلفائها وخصومها في آن واحد.
وفي خضم هذه الحرب المركبة، تبقى القبيلة والمجتمع المحلي ساحة مفتوحة للتجاذبات السياسية والأمنية، بينما تتسع دائرة الانقسام في بلد تتداخل فيه الجغرافيا العسكرية مع البنية الاجتماعية، بصورة تجعل من الصعب فصل السياسة عن القبيلة، أو الحرب عن معارك النفوذ داخل المجتمع نفسه.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.