في الحروب الطويلة لا تقتصر الخسائر على الأرواح والخراب المادي، بل تمتد إلى طبيعة التحالفات التي تنشأ في ظروف الصراع، والتي قد تتحول لاحقاً إلى عبء سياسي يصعب التخلص منه. وهذا ما يبدو أنه يواجه قائد الجيش السوداني عبدالفتاح البرهان اليوم، وهو يحاول الموازنة بين متطلبات الحرب في الداخل وحسابات الشرعية في الخارج.
فمع استمرار الحرب وتعقّد المشهد العسكري، برز الدور المتزايد للكتائب والجماعات الإسلامية المسلحة التي شاركت في القتال إلى جانب الجيش في عدد من الجبهات. وبالنسبة لأنصار هذا الخيار، فإن هذه المجموعات ساهمت في تعزيز القدرات القتالية للجيش خلال مراحل حساسة من الحرب، وساعدت في تحقيق مكاسب ميدانية مهمة.
لكن المشكلة لا تكمن فقط في الدور العسكري لهذه الجماعات، بل في الثمن السياسي الذي قد يترتب على تنامي نفوذها داخل المشهد السوداني. فكلما ازداد اعتماد القيادة العسكرية على القوى الأيديولوجية المسلحة، ازدادت المخاوف داخلياً وخارجياً من أن تتحول الحرب إلى بوابة لعودة المشاريع السياسية التي ارتبطت بالحركة الإسلامية خلال العقود الماضية.
التقارير والتحليلات الغربية التي تناولت المشهد السوداني خلال الفترة الأخيرة تعكس هذه المخاوف بوضوح. فالكثير من العواصم الدولية لا تنظر إلى الأزمة السودانية من زاوية المعارك العسكرية فقط، بل من زاوية مستقبل السلطة وشكل الدولة التي ستخرج من هذه الحرب. ولهذا فإن أي مؤشرات على تصاعد نفوذ الجماعات الإسلامية المسلحة تثير قدراً كبيراً من القلق لدى الأطراف الدولية المعنية بالأزمة.
هنا تحديداً يظهر مأزق البرهان. فمن جهة، يحتاج إلى الحفاظ على تماسك المعسكر الذي يقاتل إلى جانبه في الميدان، وهو معسكر يضم قوى وشبكات ذات توجهات إسلامية تمتلك نفوذاً تنظيمياً وقدرات تعبئة لا يمكن تجاهلها. ومن جهة أخرى، يدرك أن الحصول على دعم سياسي ودبلوماسي دولي يتطلب تقديم صورة مختلفة، تقوم على بناء مؤسسة عسكرية وطنية بعيدة عن الارتباط بالتنظيمات الأيديولوجية.
وهذا التناقض ليس جديداً في التاريخ السوداني. فقد شهدت البلاد خلال مراحل مختلفة تحالفات بين السلطة العسكرية والتيارات الإسلامية، لكنها كانت تنتهي غالباً إلى تعقيدات أكبر من المكاسب التي حققتها في بداياتها. فالتنظيمات العقائدية لا تدخل التحالفات السياسية والعسكرية باعتبارها شريكاً مؤقتاً فقط، بل باعتبارها طرفاً يسعى إلى التأثير في القرار وصياغة المستقبل وفق رؤيته الخاصة.
كما أن المجتمع الدولي، الذي يبحث عن تسوية تنهي الحرب وتعيد الاستقرار إلى السودان، لن يكون مستعداً بسهولة لمنح الشرعية أو الدعم الكامل لأي سلطة يُنظر إليها باعتبارها واقعة تحت تأثير جماعات متشددة أو ذات أجندات أيديولوجية. وهذا ما يفسر استمرار حالة الحذر التي تتعامل بها كثير من الأطراف الدولية مع المشهد السوداني الحالي.
وفي المقابل، فإن استمرار الحرب يجعل من الصعب على البرهان الاستغناء عن أي قوة تقاتل إلى جانب الجيش، خاصة في ظل تعقيدات الميدان واتساع رقعة الصراع. وهكذا يجد نفسه محاصراً بين ضرورات الحرب ومتطلبات السياسة، وبين الحاجة إلى الحلفاء في الداخل والرغبة في كسب القبول في الخارج.
لكن السؤال الأهم لا يتعلق بمصير البرهان وحده، بل بمصير السودان نفسه. فالدولة التي تُبنى على التحالفات العسكرية والأيديولوجية الضيقة تظل معرضة للانقسامات والأزمات، بينما تحتاج البلاد اليوم إلى مشروع وطني جامع يتجاوز الاستقطاب السياسي والعقائدي ويضع مصلحة المواطنين فوق حسابات النفوذ.
إن السودان لن يخرج من أزمته بمجرد تحقيق انتصار عسكري لهذا الطرف أو ذاك، بل عبر بناء دولة تقوم على المؤسسات والقانون والمواطنة المتساوية. وكلما طال أمد الحرب، وكلما تعمقت التحالفات القائمة على الضرورة العسكرية، ازدادت صعوبة الوصول إلى هذا الهدف.
ولهذا فإن المأزق الحقيقي لا يكمن فقط في كيفية موازنة البرهان بين الداخل والخارج، بل في قدرة السودان على تجنب إعادة إنتاج الأزمات القديمة بأسماء وتحالفات جديدة، والسير نحو مستقبل لا تتحكم فيه البنادق ولا التنظيمات، بل إرادة شعب يتطلع إلى السلام والاستقرار والدولة المدنية.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.