المحاصصة بثوب جديد: كيف يعود الإسلاميون إلى المشهد عبر حكومة الوحدة والسلام؟

آدم الحاج أديب

في اللحظات التاريخية الكبرى التي تمر بها الشعوب، لا تكون معركة التغيير مجرد شعارات تُرفع أو تحالفات تُعلن، بل تكون اختبارًا حقيقيًا لطبيعة الوعي السياسي الذي يقود المرحلة، وللمعايير التي تُبنى عليها مؤسسات المستقبل، ومن هنا تبرز الأسئلة المشروعة حول قرارات التعيين داخل تحالف “تأسيس” أو حكومة الوحدة والسلام، باعتبارها تجربة جاءت لطي صفحة الماضي وبناء مشروع سياسي جديد قائم على العدالة والمواطنة وإنهاء إرث الشمولية والمحاصصة.
غير أن المراقب للمشهد يلحظ بوضوح أن كثيرًا من التعيينات الأخيرة أعادت إنتاج ذات الوجوه القديمة، أو الشخصيات المرتبطة بالبنية السياسية والإدارية التي كانت جزءًا من الأزمة السودانية لعقود طويلة. وهنا يبرز السؤال الأكثر حساسية: هل نحن أمام مشروع تغيير حقيقي، أم مجرد إعادة تدوير للنخب القديمة تحت عناوين جديدة؟

إن أخطر ما يواجه أي مشروع سياسي انتقالي ليس فقط بقايا الأنظمة السابقة، وإنما العقلية التي تستبطن أدوات الماضي وتعيد استخدامها حتى وهي تتحدث بلغة الثورة والتجديد. فحين تصبح معايير التعيين قائمة على الولاء السياسي، أو القرب من مراكز النفوذ، أو التوازنات التنظيمية والترضيات الجهوية، فإن الحديث عن دولة المؤسسات يفقد معناه، ويتحول التغيير إلى مجرد غطاء رمزي لاستمرار ذات الثقافة السياسية القديمة.
لقد عانى السودان طويلًا من دولة المحاصصات، حيث كانت الوظائف العامة تُمنح وفق الانتماء الحزبي أو الولاء الأيديولوجي، لا وفق الكفاءة والخبرة والنزاهة. وكانت النتيجة الطبيعية لذلك هي انهيار الخدمة المدنية، وتفكيك مؤسسات الدولة، وتحويلها إلى أدوات تخدم النخب لا المواطنين. ولذلك فإن أي مشروع يدّعي القطيعة مع الماضي، ثم يعود إلى نفس أساليب التمكين بصورة جديدة، إنما يضع نفسه في تناقض مباشر مع شعاراته المعلنة.
الأمر لا يتعلق فقط بوجود شخصيات ذات خلفيات إسلامية أو محسوبة على تيارات سياسية بعينها، فالقضية أعمق من التصنيف الأيديولوجي. المسألة الأساسية هي: هل تمت مراجعة التجربة السابقة نقديًا؟ وهل تم اعتماد معايير شفافة وواضحة للتعيين؟ أم أن الأزمة الحقيقية تكمن في استمرار ثقافة “تقاسم النفوذ” مهما تبدلت اللافتات؟
إن الشعوب لا تفقد ثقتها بسبب الأخطاء وحدها، وإنما حين تشعر أن التاريخ يعيد نفسه بصورة ساخرة. فالشباب الذين حلموا بوطن جديد لا يريدون رؤية ذات الشبكات القديمة تعود إلى الواجهة عبر بوابات جديدة، ولا يريدون أن تتحول مفاهيم السلام والتأسيس إلى مجرد أدوات لإعادة إنتاج مراكز القوة التقليدية.
قال الشاعر:
“لا تنهَ عن خُلُقٍ وتأتي مثلَهُ
عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ”
فإذا كانت كل ثورة تُنجب “كيزانًا” بثوب الثورة، فمتى تتحقق قيم الثورات؟ وأين هي المحطة التي يتوقف عندها قطار إعادة إنتاج الماضي؟
إن الثورة السودانية اليوم تحتاج، قبل أي شيء، إلى إعادة تعريف نفسها. وهذا التعريف يبدأ بسؤال صريح ومؤلم:
هل يريد السودانيون ثورة من أجل الأشخاص، أم ثورة من أجل بناء المؤسسات؟
فبالأمس القريب كان هناك رجالٌ حول البشير، واليوم هناك رجالٌ حول حميدتي، وعلى الضفة الأخرى رجالٌ حول البرهان. وبين الرجلين، وفي قلب واقعنا الحاضر، تدور ذات المكنات السياسية التي تُعيد إنتاج النفوذ القديم بأدوات جديدة. إن كثيرًا من وجوه الأمس، التي كانت جزءًا من الفشل السياسي، ما تزال تتحرك داخل المشهد، ولو تحت لافتات مختلفة، مع شيء من التمويه السياسي وإضافة بعض الوجوه التي عُرفت بمواقفها الثورية والنضالية خارج التنظيم الكيزاني.
غير أن الوجوه الكالحة، والأيادي الملطخة بجرائم الماضي السياسي، لا يمكن أن تمثل ثورة الغد، ولن يركع لها الثوار مهما تغيّرت الشعارات.
وكما أشار بعض كُتّاب الرأي إلى ما سُمّي بـ”الأنبياء الستة” الذين يهندسون اختيارات الترشيحات داخل حكومة الوحدة والسلام “تأسيس”، فإن ذلك يثير تساؤلات خطيرة حول طبيعة المعايير التي تحكم صناعة القرار. فالكفاءة الحقيقية لا ينبغي أن تُخضع لشروط الطاعة والولاء والإثنية والجهوية، لأن هذه الأمراض نفسها كانت من الأسباب الجوهرية التي قادت السودان إلى الحروب والانقسامات.
ولهذا فإن الأدوات التي صنعت الأزمة لن تكون قادرة على صناعة المستقبل الذي يحلم به الشعب السوداني، مستقبل العدالة، والمواطنة، ودولة المؤسسات.
وعلى الصعيد العسكري، فإن المشهد لا يخلو من مفارقة مؤلمة. فهناك قادة وضباط أكفاء انحازوا مبكرًا لخيار الثورة، وتركوا امتيازاتهم داخل المؤسسات القديمة، وبعضهم من خريجي الكلية الحربية بمختلف الرتب العسكرية، من لواءات وعمداء وعقداء وغيرهم، غير أن كثيرًا منهم وجدوا أنفسهم اليوم في هامش الهامش، بعيدًا عن دوائر التأثير وصناعة القرار.
وهنا يبرز السؤال المشروع: لماذا يتم تهميش الكفاءات الوطنية التي دفعت أثمان مواقفها السياسية والأخلاقية؟ وهل أصبح السؤال عن معايير الاختيار والتقديم داخل المشهد الجديد سؤالًا ممنوعًا؟
إن أي مشروع وطني حقيقي لا يمكن أن يُبنى على إعادة تدوير الولاءات القديمة، ولا على صناعة مراكز قوة جديدة تحت لافتة الثورة، بينما يتم إقصاء أصحاب الكفاءة والتجربة والمواقف المبدئية.
ومن زاوية أخرى، فإن حكومة الوحدة والسلام “تأسيس” تمتلك دستورًا ووثائق سياسية تنظّم رؤيتها المعلنة، غير أن أزمة الدولة السودانية تاريخيًا لم تكن يومًا في كتابة الدساتير أو صياغة النصوص، بقدر ما كانت في غياب الالتزام الحقيقي بتطبيقها واحترامها.
لقد ظل الدستور في السودان، عبر مراحل مختلفة، نصًا يُرفع في الخطابات بينما يتم تجاوزه عمليًا عند أول اختبار للسلطة والنفوذ، حتى أصبحت أزمة احترام القانون واحدة من أكثر وجوه الدولة السودانية قبحًا.
وكأن تقاليد دولة 56 القديمة تعود اليوم مرتدية ثوب الثورة والتغيير، دون مراجعة حقيقية لجذور الأزمة السياسية والثقافية التي أوصلت البلاد إلى هذا الانهيار.
وهنا يبرز السؤال الأكثر قسوة:
لماذا سُفكت دماء الشباب إذا كانت النتيجة النهائية هي عودة الماضي بأسماء جديدة؟ وهل يمكن لتغبيش الوعي وإعادة تدوير الشعارات أن يحررا السودان من سوآت تاريخه السياسي؟
كما أن خطورة المحاصصة لا تكمن فقط في فسادها الإداري، بل في أثرها العميق على الوعي الوطني؛ إذ تُرسّخ الإحساس بالتمييز، وتغذي الإحباط، وتدفع الكفاءات الحقيقية إلى الهامش، بينما تتقدم الولاءات على حساب المهنية. وهكذا تدخل الدولة في حلقة مفرغة من الفشل السياسي والإداري مهما تغيرت الشعارات.
إن نجاح أي مشروع تأسيسي حقيقي يتطلب شجاعة أخلاقية قبل أن يكون مجرد توافق سياسي. شجاعة تعني الاعتراف بأن بناء المستقبل لا يتم بعقلية الغنائم، ولا بمنطق الترضيات، ولا بإعادة تدوير الفشل. فالتغيير ليس استبدال أسماء بأسماء، وإنما تأسيس جديد لمنظومة الحكم نفسها، ولمعايير العدالة والكفاءة والمساءلة.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام تحالف “تأسيس”:
هل يمتلك الإرادة الحقيقية لقطع الطريق مع إرث المحاصصة والمحسوبية، أم أن ذاكرة الماضي أقوى من شعارات التغيير؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.