تنظر واشنطن بقلق إلى تنامي حضور المجموعات العقائدية المسلحة داخل المعسكر الداعم للجيش السوداني، في ظل اتهامات متكررة بوجود فصائل ذات طابع إيديولوجي تقاتل ضمن الحرب الحالية، وتتمتع بدرجات متفاوتة من الاستقلالية. وتعتبر الإدارة الأمريكية أنّ استمرار هذا الواقع يهدد أيّ فرصة لقيام جيش وطني مهني أو انتقال سياسي مستقر، ويجعل السودان عرضة للتحول إلى بيئة حاضنة للتطرف وعدم الاستقرار الإقليمي.
ولا ينفصل الاهتمام الأمريكي بالسودان عن التحولات الأمنية الأوسع في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وهي منطقة تشهد تنافسًا دوليًا متصاعدًا بين الولايات المتحدة والصين وروسيا وإيران وتركيا وقوى إقليمية أخرى. فالخرطوم تمتلك موقعًا جغرافيًا حساسًا يطل على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، في وقت تزايدت فيه المخاوف الغربية من استخدام الفوضى السودانية لتوسيع شبكات التهريب أو تهديد أمن الملاحة الدولية. وتخشى واشنطن من أن يؤدي استمرار الحرب إلى خلق فراغ أمني تستفيد منه جماعات متشددة وشبكات جريمة منظمة، على غرار ما حدث في بعض دول الساحل والصومال. ومن هذا المنطلق تتعامل الولايات المتحدة مع السودان باعتباره جزءًا من معركة أوسع لمنع تشكل بؤر نفوذ معادية قرب البحر الأحمر، خاصة في ظل التصعيد الإقليمي المرتبط بإيران وأذرعها العسكرية.
الضغوط الأمريكية والتحولات الأمنية
بالمحصلة، فإنّ إدراج السودان ضمن أولويات استراتيجية مكافحة الإرهاب الأمريكية قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الضغوط الدولية، تشمل توسيع العقوبات، وتشديد الرقابة المالية، وتوسيع قوائم التصنيف الإرهابي لتشمل شخصيات أو كيانات مرتبطة بالحرب وشبكات التمويل.
وقد يقود هذا التحول إلى تعزيز الحضور الاستخباراتي والأمني الأمريكي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، بالتنسيق مع حلفاء إقليميين وغربيين، لمراقبة التحركات العسكرية وشبكات التهريب والأنشطة المرتبطة بإيران والتنظيمات المتشددة. وفي المقابل قد تجد القيادة العسكرية السودانية نفسها أمام ضغوط متزايدة لإثبات ابتعادها عن التيارات الإسلامية، وإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية بصورة أكثر مهنية، إذا أرادت الحفاظ على قنوات التواصل والدعم الدولي.
هذه المقاربة الأمريكية الجديدة تكشف أنّ السودان لم يعد مجرد أزمة داخلية معزولة، بل أصبح جزءًا من معادلة إقليمية ودولية معقدة تتداخل فيها اعتبارات الأمن والطاقة والممرات البحرية والنفوذ الجيوسياسي. ومن المرجح أن تتصاعد الضغوط الأمريكية والغربية في المرحلة المقبلة، خاصة تجاه الجماعات والتيارات التي يُنظر إليها باعتبارها معرقلة لأيّ انتقال سياسي أو مرتبطة بشبكات التطرف والعنف، بحسب معهد واشنطن، خصوصًا مع بروز أهداف إيران في البحر الأحمر والممرات البحرية، عبر عسكرة الممرات البحرية التي تمثل أحد الثوابت في السياسة الإقليمية لطهران، ضمن مقاربة تقوم على توسيع النفوذ غير المباشر عبر شبكات من الوكلاء.
النفوذ الإيراني وتعقيدات المشهد السوداني
وبينما تبرز ثمة إمكانية لتحوّل السودان إلى منصة لوجستية لإمداد النفوذ الإيراني في أفريقيا، بالنظر إلى طبيعة العلاقات التاريخية الممتدة بين طهران ومراكز النفوذ في السودان منذ عام 1989، وما رافقها من تقاطعات سياسية وأمنية في مراحل مختلفة، فإنّ السودان قد يشكل نقطة ارتكاز استراتيجية محتملة لإيران في الإقليم، سواء عبر تسهيل التحركات اللوجستية أو توفير بيئة حاضنة غير مباشرة لشبكات مرتبطة بها، في ظل هشاشة المشهد الأمني وتعدد مراكز القوة داخل البلاد، مع الأخذ في الاعتبار الدراسات والتقارير البحثية التي تكشف عن تنامي “التمدد الشيعي” في عدد من الدول الأفريقية، مع طرح السودان كإحدى نقاط العبور المحتملة لهذا النفوذ نحو عمق القارة.
وتتحدث تقديرات استخباراتية وتقارير أممية عن تسيير رحلات شحن جوي عبر شركات مرتبطة بطهران لنقل معدات عسكرية إلى السودان، في إطار نمط يُنظر إليه باعتباره توظيفًا مزدوجًا، من خلال دعم حليف ميداني مقابل ترسيخ نفوذ استراتيجي على ساحل البحر الأحمر. وقد أثار هذا التداخل في المصالح والدعم العسكري مخاوف وهواجس متزايدة لدى الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية والإقليمية، في ظل احتمالات أن يؤدي تعقّد المشهد السوداني وتعدد التدخلات الخارجية إلى إطالة أمد الحرب وتوسيع نطاقها الإقليمي.
وتُبدي هذه الأطراف خشية من أن يسهم أيّ ترسخ لنفوذ إيراني في السودان في تعزيز وجودها بالقرب من ممرات ملاحة حساسة، خصوصًا في منطقة باب المندب، بما قد ينعكس على أمن التجارة الدولية واستقرار خطوط الشحن البحري، في بيئة إقليمية تتسم بالفعل بقدر كبير من التوتر والتداخلات الأمنية.
ويرى معهد واشنطن أنّه إذا أراد البرهان إثبات إقصاء عناصر الجماعة من الجيش السوداني فعليًا، فعليه اتخاذ جملة من الخطوات الواضحة، منها إقصاء موثوق للعناصر الإسلامية من مواقع القيادة والنفوذ، ثم الانخراط الجدي في عملية تفاوض تُفضي، في مرحلتها الأولى، إلى وقف إطلاق النار، ممّا يمهد الطريق بدوره للمرحلة الثانية من أجل سلام شامل وتحول سياسي حقيقي، وتفكيك الشبكات المالية للجماعة التي تمتد عبر القطاع المصرفي وشركات الاستيراد والتصدير وعمليات تهريب الذهب التي تمول الحرب وتضمن استمرار نفوذ الجماعة.
ومن الضروري، بالقدر نفسه، إثبات أنّ السودان قد قطع علاقاته بالنظام الإيراني نهائيًا، وأنّ أراضيه لن تكون ممرًا لتوسع طهران نحو القارة الأفريقية أو ساحة لاستغلال الفوضى السودانية في خدمة المشروع التوسعي الإيراني. والأهم من ذلك كله هو التحدي الحاسم الذي يواجهه الجيش السوداني الآن، وهو أن يثبت بالأفعال، لا بالأقوال، على حد تعبير المعهد الأمريكي، أنّه قد تحرر فعليًا من قبضة الجماعة، وأنّ خياراته الاستراتيجية لم تعد رهينة لمصالح التيار الإسلامي الذي أسهم، على مدى عقود، في تشكيل بنية الجيش وأمدّه بمقومات البقاء والتمكين.
ونظرًا للتعقيدات التي قد تنطوي عليها مثل هذه الخطوة، فمن غير المرجح أن يتخذ البرهان مثل هذه الإجراءات الصارمة بشكل مستقل. وفي ضوء هذا الواقع فإنّ تصنيف “جماعة الإخوان المسلمين” منظمة إرهابية يُعدّ خطوة أولى فعالة، لكن من المرجح أن يتطلب الأمر ضغطًا دوليًا مستمرًا لدفع البرهان نحو فك ارتباط حقيقي مع عناصر الجماعة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.