السودان بين انسداد السياسة وهيمنة السلاح

 نورا عثمان

يتحرك الملف السوداني منذ اندلاع الحرب داخل دائرة مغلقة، تتكرر فيها المبادرات السياسية دون أن تتمكن من اختراق جدار الأزمة الحقيقي. فكلما ظهرت بوادر تسوية أو تحرك إقليمي ودولي لوقف النزاع، عادت التطورات الميدانية لتعيد المشهد إلى نقطة الصفر، وكأن البلاد عالقة في صراع مفتوح لا تملك فيه السياسة القدرة على التقدم أمام سطوة السلاح وحسابات النفوذ.

المشكلة في السودان اليوم لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين، بل تحولت إلى أزمة عميقة تتشابك فيها المصالح السياسية والأيديولوجية والعسكرية، في ظل غياب مشروع وطني جامع قادر على إعادة تعريف الدولة ومؤسساتها بعد سنوات طويلة من الاستقطاب والانقسامات.

وفي قلب هذه المعادلة المعقدة، يبرز نفوذ جماعة الإخوان المسلمين بوصفه أحد العوامل المؤثرة في إعادة توجيه القرار العسكري والسياسي داخل البلاد. فالحركة الإسلامية، التي ظلت لعقود جزءاً أساسياً من بنية السلطة في السودان، لم تختفِ تماماً بعد سقوط نظام عمر البشير، بل أعادت ترتيب أدواتها وتحالفاتها داخل مؤسسات الدولة، مستفيدة من هشاشة المرحلة الانتقالية والانقسامات التي ضربت القوى المدنية.

لقد أظهرت تطورات السنوات الأخيرة أن نفوذ الإسلاميين داخل بعض دوائر القرار لا يزال قادراً على التأثير في مسار الأحداث، سواء عبر شبكاتهم التنظيمية أو حضورهم داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية أو من خلال خطاب التعبئة السياسية والإعلامية الذي عاد بقوة مع اندلاع الحرب.

وهنا تكمن إحدى أخطر أزمات السودان الحالية؛ فبدلاً من أن تتجه البلاد نحو تسويات سياسية تنهي النزاع وتعيد بناء الدولة، يجري دفع الصراع نحو مزيد من التعقيد عبر حسابات تتجاوز منطق الدولة الوطنية نفسها. إذ تبدو بعض القوى أكثر اهتماماً بالحفاظ على النفوذ وإعادة إنتاج موازين السلطة القديمة، حتى لو جاء ذلك على حساب استقرار البلاد ووحدتها.

إن أي عملية سلام حقيقية تحتاج إلى بيئة سياسية تسمح باتخاذ قرارات مستقلة بعيداً عن هيمنة الجماعات الأيديولوجية أو مراكز النفوذ المرتبطة بالحرب. لكن الواقع السوداني يكشف أن القرار السياسي والعسكري ما يزال محاصراً بتوازنات معقدة تجعل من الصعب الوصول إلى تسوية شاملة ومستدامة.

كما أن استمرار هذا الوضع يضعف ثقة السودانيين في جدوى المبادرات السياسية، خاصة في ظل تكرار مشاهد التعثر والانهيار المتواصل لمسارات الحوار. فالشعب السوداني الذي يدفع يومياً ثمن الحرب من دمه وأمنه ومستقبله، لم يعد يبحث عن اتفاقات مؤقتة بقدر ما يبحث عن مشروع حقيقي ينهي دوامة الصراع ويؤسس لدولة تقوم على المواطنة والعدالة وسيادة القانون.

لقد أثبتت التجربة السودانية أن بناء الدولة لا يمكن أن يتم عبر التحالفات العسكرية أو الهيمنة الأيديولوجية، بل عبر عقد وطني جديد يعيد تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع، ويضمن استقلال المؤسسات عن الولاءات الحزبية والتنظيمية.

كما أن إنهاء الحرب لن يكون ممكناً ما دامت بعض القوى ترى في استمرار الفوضى فرصة للحفاظ على مواقعها أو إعادة توسيع نفوذها داخل الدولة. فالحروب الطويلة لا تنتج استقراراً، بل تفتح الباب أمام مزيد من الانقسامات والتدخلات الخارجية وتآكل مؤسسات الدولة.

السودان اليوم يقف أمام لحظة مصيرية؛ إما الاستمرار في الحلقة المغلقة ذاتها، حيث تتغلب حسابات النفوذ على مصالح الوطن، أو الانتقال إلى مرحلة جديدة تعطي الأولوية للسلام والإصلاح وإعادة بناء الدولة بعيداً عن مشاريع الهيمنة السياسية والأيديولوجية.

ويبقى الأمل قائماً في أن يدرك السودانيون، قبل فوات الأوان، أن مستقبل البلاد لا يمكن أن يُبنى عبر إعادة إنتاج الأزمات القديمة، بل عبر مواجهة جذورها الحقيقية، والاتفاق على مشروع وطني يضع الإنسان السوداني فوق كل الحسابات الأخرى.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.