كادوقلي تحت قبضة الميليشيات تقرير حقوقي يوثق الاستيلاء على مئات المنازل وتحويلها إلى ثكنات عسكرية في جنوب كردفان

متابعات: عين الحقيقة

كشفت تقارير حقوقية حديثة عن تصاعد خطير في الانتهاكات المرتبطة بالحرب الدائرة في السودان، بعد توثيق عمليات استيلاء واسعة على ممتلكات المدنيين في مدينة كادوقلي بولاية جنوب كردفان، في مشهد يسلط الضوء على التحولات الأمنية والعسكرية التي تعيشها المدينة منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. وأثار تقرير صادر عن “مرصد جبال النوبة لحقوق الإنسان” مخاوف متزايدة بشأن ما وصفه بـ“سياسة ممنهجة” تستهدف إعادة تشكيل الواقع السكاني داخل المدينة، عبر مصادرة منازل النازحين وتحويلها إلى مقار عسكرية وسكن لعناصر مسلحة مرتبطة بجهات أمنية وتنظيمات إسلامية.

اتهم التقرير  “الخلية الأمنية” بالوقوف خلف هذه العمليات، موضحاً أنها تضم عناصر مرتبطة بالحركة الإسلامية وأجهزة الاستخبارات العسكرية والمخابرات العامة..

أرقام صادمة عن حجم الانتهاكات
وبحسب التقرير، الذي غطى الفترة الممتدة من أبريل 2023 وحتى أبريل 2026، فقد جرى توثيق الاستيلاء على 864 منزلاً مملوكاً لمدنيين، واستخدامها كمساكن لعناصر عسكرية وميليشيات مسلحة، إلى جانب مصادرة 219 منزلاً تحت مبررات تتعلق بـ“الصالح العام” أو الاشتباه في الانتماء السياسي لأصحابها. كما أشار التقرير إلى تعرض 96 منزلاً إضافياً للنهب أو التدمير الكامل، في ظل تدهور واسع للأوضاع الأمنية والإنسانية في المدينة. ويرى ناشطون أن هذه الأرقام تعكس تحولاً خطيراً في طبيعة الانتهاكات المرتبطة بالحرب، حيث لم تعد تقتصر على العمليات العسكرية المباشرة، بل امتدت إلى السيطرة على الممتلكات الخاصة وإعادة توزيع النفوذ داخل الأحياء السكنية.
“الخلية الأمنية” ودور الإسلاميين
واتهم التقرير ما وصفه بـ“الخلية الأمنية” بالوقوف خلف هذه العمليات، موضحاً أنها تضم عناصر مرتبطة بالحركة الإسلامية وأجهزة الاستخبارات العسكرية والمخابرات العامة، إلى جانب مجموعات مسلحة موالية للجيش.
وبحسب المرصد، فإن هذه الشبكة الأمنية عملت على تمكين عناصرها من الاستقرار داخل منازل المواطنين الفارين من الحرب، مستفيدة من حالة الفوضى والانهيار الإداري التي تعيشها المدينة. وأشار التقرير بصورة خاصة إلى تنامي نفوذ مجموعات مرتبطة بتيارات إسلامية، بينها عناصر من “كتائب البراء بن مالك”، التي باتت ـ وفقاً للتقرير ـ حاضرة في عدد من أحياء كادوقلي، خاصة في القطاعات الشرقية والغربية والشمالية.
تغيير ديمغرافي تحت غطاء الحرب
ويرى مراقبون أن أخطر ما كشفه التقرير يتمثل في الحديث عن وجود نمط ممنهج يهدف إلى إحداث تغييرات سكانية داخل المدينة، عبر إفراغ أحياء كاملة من سكانها الأصليين وإحلال مجموعات مسلحة مكانهم. ويقول الباحث في قضايا النزاعات الدكتور عبد الرحمن كوكو إن “الحروب غالباً ما تُستخدم كغطاء لإعادة رسم خرائط النفوذ والسيطرة السكانية، خاصة في المناطق ذات الحساسية الإثنية والسياسية مثل جنوب كردفان”. وأضاف أن الاستيلاء على المنازل لا يمثل مجرد انتهاك لحقوق الملكية، بل قد يتحول إلى أداة لإحداث تغييرات ديمغرافية طويلة الأمد يصعب معالجتها مستقبلاً.
استغلال الحرب لتوسيع النفوذ
من جهته، يرى المحلل السياسي إسماعيل محمد أن بعض الجماعات المسلحة والتنظيمات المرتبطة بالحركة الإسلامية تحاول استثمار الحرب الحالية لإعادة تثبيت نفوذها داخل مناطق استراتيجية. وأوضح أن “الحرب أوجدت فراغاً أمنياً ومؤسسياً سمح بعودة شبكات كانت قد تراجعت عقب سقوط نظام البشير، مستفيدة من غياب الرقابة وضعف مؤسسات العدالة”. وأضاف أن السيطرة على الأحياء والممتلكات تمنح هذه الجماعات نفوذاً ميدانياً يتجاوز البعد العسكري، ليصل إلى التحكم في الواقع الاجتماعي والاقتصادي داخل المدن المتأثرة بالحرب.
شهادات من داخل كادوقلي
وتحدث سكان وناشطون محليون عن تصاعد المخاوف وسط الأهالي، خاصة مع استمرار موجات النزوح وصعوبة عودة كثير من الأسر إلى منازلها. وقال أحد الناشطين من كادوقلي ـ فضّل عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية ـ إن “المدينة تغيرت بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، وهناك أحياء كاملة أصبحت شبه خالية من سكانها الأصليين”. وأضاف أن كثيراً من المنازل التي تركها أصحابها بسبب الحرب باتت تُستخدم كمقار لعناصر مسلحة أو مجموعات موالية لجهات أمنية.

خبراء حقوقيون: استمرار هذه الانتهاكات في ظل غياب أي آليات فعالة للمحاسبة يهدد بتعميق أزمة الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة..

غياب المساءلة وتآكل الثقة
ويرى خبراء حقوقيون أن استمرار هذه الانتهاكات في ظل غياب أي آليات فعالة للمحاسبة يهدد بتعميق أزمة الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة. وتقول الباحثة الحقوقية آمنة إبراهيم إن “الاستيلاء على الممتلكات الخاصة خلال النزاعات يُعد انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي الإنساني، خاصة عندما يتم بصورة منظمة أو على أساس سياسي”. وأضافت أن غياب التوثيق الرسمي والإجراءات القضائية يزيد من تعقيد أي محاولات مستقبلية لاستعادة الحقوق أو تعويض المتضررين.
جنوب كردفان.. ساحة لصراعات متعددة
وتعيش ولاية جنوب كردفان منذ سنوات أوضاعاً معقدة نتيجة التداخل بين النزاعات المسلحة والانقسامات السياسية والأزمات الإنسانية. ومع اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، ازدادت هشاشة الأوضاع الأمنية في عدد من مناطق الولاية، وسط مخاوف من اتساع رقعة الانتهاكات ضد المدنيين. ويرى مراقبون أن ما يحدث في كادوقلي يعكس جانباً من التحولات الأوسع التي تشهدها السودان حالياً، حيث باتت الحرب لا تهدد الأرواح فقط، بل تهدد أيضاً البنية الاجتماعية وحقوق الملكية والتوازنات السكانية داخل عدد من المدن والمناطق المتأثرة بالنزاع.
مستقبل غامض للمدنيين
في ظل استمرار الحرب وتعثر أي تسوية سياسية شاملة، تبقى آلاف الأسر النازحة أمام مستقبل مجهول، مع تزايد المخاوف من فقدان ممتلكاتها بصورة دائمة. ويحذر ناشطون من أن تجاهل هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى خلق أزمات اجتماعية وقانونية معقدة حتى بعد انتهاء الحرب، خاصة إذا تحولت عمليات الاستيلاء الحالية إلى أمر واقع يصعب تغييره لاحقاً.
ومع غياب مؤشرات واضحة على قرب انتهاء النزاع، تبدو كادوقلي مثالاً جديداً على الكلفة الإنسانية والسياسية الباهظة للحرب السودانية، التي لم تعد تقتصر على ساحات القتال، بل امتدت إلى بيوت المدنيين وحقوقهم الأساسية في الأمن والملكية والحياة الكريمة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.