قراءة في المشهد السوداني
في خضم الحرب المشتعلة التي أكلت الأخضر واليابس، وشردت الملايين، وحولت عاصمة السودان إلى ركام، يطل الفريق عبد الفتاح البرهان من بورتسودان داعياً إلى “حوار وطني”. لكن هذه الدعوة، التي يُراد لها أن تبدو إجراءً توافقياً، لا تلبث أن تكشف عن وجهها الحقيقي أمام المراقبين والسياسيين الذين عاشوا تفاصيل المشهد السوداني منذ سقوط البشير.
البرهان.. من شريك للثورة إلى أداة للإسلاميين
حين وقف البرهان في الساحات عام 2019 يصافح المحتجين ويتعهد بتسليم السلطة للمدنيين، راهن كثيرون على أنه يمثل وجهاً مختلفاً داخل المؤسسة العسكرية. سرعان ما تبددت تلك الرهانات مع انقلاب أكتوبر 2021، ثم جاءت حرب أبريل 2023 لتقفل الباب نهائياً على أي أوهام.
يرى إبراهيم الميرغني، وزير شؤون مجلس الوزراء في حكومة السلام الانتقالية والقيادي في تحالف “تأسيس”، أن المسار بات واضحاً لا لبس فيه: “الجيش أصبح أداة بيد تنظيم سياسي عقائدي”، في إشارة صريحة إلى الحركة الإسلامية السودانية التي أُقصيت رسمياً عقب ثورة ديسمبر، لكنها لم تغادر قط دهاليز الدولة العميقة.
ما يعزز هذه القراءة أن المؤشرات تراكمت على مدى سنوات: إعادة تأهيل رموز النظام السابق، وتسلل كوادر الحركة الإسلامية إلى المناصب الأمنية والخدمة المدنية، وإجهاض كل مسار كان يُفضي إلى مساءلة حقيقية. ولم تكن حرب أبريل، في هذا السياق، سوى المحطة الأعنف في مسيرة استعادة ممنهجة.
حوار بلا أرضية.. اللعبة المكشوفة
لا تعدم دعوات الحوار القادمة من بورتسودان حجةً بلاغية؛ فهي تتحدث عن “الوحدة الوطنية” و”إنهاء المعاناة” و”إعادة الاستقرار”. غير أن ثمة مفارقة صارخة لا يمكن تجاوزها: **الجهة ذاتها التي تدعو اليوم إلى الحوار هي من رفضت مبادرات السلام، وأطلقت شرارة الحرب في الخامس عشر من أبريل 2023.**
يضع هذا التناقض دعوة الحوار في موضعها الحقيقي؛ إذ يصفها الميرغني بأنها “محاكمة صورية” لا تستهدف التوافق، بل تسعى إلى أمرين محددين: منح شرعية مفقودة لمؤسسة عسكرية فقدت مصداقيتها، وتمكين عناصر الحركة الإسلامية من إعادة إنتاج حضورها في هياكل الدولة عبر بوابة “التوافق الوطني”.
والأدهى أن الشروط المسبقة لهذا الحوار المزعوم تُفرغه من أي محتوى: فلا مساءلة على جرائم الحرب، ولا حديث عن تفكيك السيطرة الإسلامية على مفاصل الدولة، ولا ضمانات لأي انتقال مدني حقيقي.
من بورتسودان.. إدارة الأزمة لا حلها
تحولت بورتسودان إلى عاصمة فعلية للسلطة، وتُدار منها خيوط المشهد السياسي والعسكري. لكن المفارقة أن من يُمسك بهذه الخيوط، وفق ما يؤكده المعارضون، هم أنفسهم من قادوا البلاد إلى هذا الدمار، ويحاولون اليوم تقديم أنفسهم حُكَّاماً وسطاء في آنٍ واحد.
يُذكّر الميرغني بما خرج من أجله السودانيون في ديسمبر 2018: لم يكن مطلبهم استبدال ديكتاتورية البشير والإسلاميين بديكتاتورية الإسلاميين والبرهان، بل كان مطلبهم تأسيس دولة مدنية ديمقراطية حقيقية. وفي ذلك تذكير ضمني بأن أي تسوية لا تعالج هذا الجوهر لن تكون سوى إعادة إنتاج للمأساة ذاتها.
الحوار الوطني الحقيقي.. شروط لا تقبل المساومة
في مقابل المنابر التي تصنعها بورتسودان، يطرح المعارضون تصوراً مغايراً جذرياً لأي حوار وطني يستحق هذا الاسم. ويُجمع هذا التيار على أن أي حوار جاد لا بد أن يقوم على ثلاثة محاور:
– رعاية دولية أو إقليمية محايدة بعيداً عن وصاية أطراف النزاع
– مشاركة حقيقية للقوى الديمقراطية والثورية التي تحمل مشروع التغيير
-أجندة واضحة تتضمن تفكيك نفوذ التنظيم الإسلامي، وإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، ومحاسبة المسؤولين عن الحرب وجرائمها
خاتمة: الشرعية لا تُمنح بالحوار الوهمي
الدرس الذي تعلمه السودانيون بثمن باهظ هو أن الشرعية لا تُستعاد بمسرحية حوار، ولا بتدوير وجوه قديمة في أثواب جديدة. ما يجري في بورتسودان، وفق المعارضين، ليس مساعياً للسلام بل هو إدارة للبقاء في السلطة، في ظل حرب أفقدت الجميع إلا أصحاب المصلحة في استمرار الفوضى.
والسؤال الذي يظل معلقاً: هل يملك المجتمع الدولي والإقليمي الإرادة الكافية لفرض مسار مختلف، أم أنه سيكتفي بالتعامل مع بورتسودان باعتبارها الأمر الواقع؟ الإجابة ستحدد، إلى حدٍّ بعيد، مصير ملايين السودانيين الذين باتوا أسرى حرب لم يختاروها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.