الحركة الإسلامية في السودان: ثلاثة عقود من الخراب

تقرير : عين الحقيقة

البداية: انقلاب في ثوب “إنقاذ”

في فجر الثلاثين من يونيو 1989، استيقظ السودانيون على بيانات عسكرية تُعلن نهاية الديمقراطية. قام العميد عمر البشير بالانقلاب على الحكومة الديمقراطية، وأعلن في بيان الانقلاب الذي سماه “ثورة الإنقاذ الوطني” أن دافعه هو الفشل الاقتصادي وفشل الحكومة في إقامة علاقات مع أفريقيا الوسطى. لكن هذا المبرر لم يكن سوى واجهة.

فـالترابي كشف لاحقاً أن الانقلاب كان مخطاً له منذ منتصف السبعينيات، وأن فكرته تعاظمت بعد خروجه من حكومة الصادق المهدي، وأن الحركة خلصت إلى أن الانقلاب يجب أن يأتي في ظاهره عسكرياً ومن ورائه الحركة الإسلامية.

وهكذا، قامت الحركة الإسلامية بتدبير انقلاب يونيو 1989 واستولت بعده على السلطة، لتصبح بذلك أول حركة إسلامية حديثة تتولى السلطة في العالم.

الحكم: ثلاثون عاماً من التدمير الممنهج

أولاً: استيراد الإرهاب العالمي

لم تكتفِ الحركة بالسيطرة على السودان، بل حوّلته إلى ملاذ للمطاردين دولياً. سوّق السودان لنفسه في عهد حكومة الإنقاذ على أنه ملاذ آمن للجميع، من خلال المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي الذي تأس عام 1991 وضم معظم الحركات الإسلامية والقوى المعادية للغرب.

وكان ثمن ذلك باهظاً؛ إذ لا يزال السودان يعيش أوضاعاً اقتصادية بالغة التعقيد بسبب 27 عاماً من العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية التي فُرضت على السودان نتيجة إيوائه لأسامة بن لادن في 1991 وعدد من المجموعات المتطرفة، وقُدّرت الخسائر المباشرة وغير المباشرة بنحو 700 مليار دولار، انعكست في تدهور البنية التحتية وانهيار مشروع الجزيرة الزراعي وشركات النقل الكبرى.

ثانياً: جريمة دارفور

ولعل أفدح ما اقترفه نظام الإنقاذ في حق السودانيين هو ما جرى في دارفور. في 2003 اندلع الصراع في دارفور ولفت انتباه العالم وأثار الرعب في مزاعم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، وبات البشير مطلوباً من المحكمة الجنائية الدولية بتهمة الإبادة الجماعية وجرائم الحرب.

ثالثاً: تفتيت وحدة البلاد

أفضى التهميش والحرب المستمرة إلى ما كان يبدو مستحيلاً: منذ انفصال جنوب السودان في 2011، يعاني السودان حالة تضخم وارتفاع حاد في الأسعار ونقص في السيولة النقدية والسلع الاستهلاكية الأساسية. ثلاثون عاماً من حكم “الإنقاذ” أسفرت عن خسارة ربع مساحة البلاد.

السقوط والعودة من الخلف

أسقطت ثورة ديسمبر 2019 البشير، لكن الحركة الإسلامية لم تغادر المشهد.
استعاد المؤتمر الوطني، الذراع السياسية للإخوان، سيطرته الفعلية على مفاصل الدولة، وتمثل ذلك في نفوذ واسع داخل المؤسسات النظامية، وتعزت هذه الصورة بتصريحات لقيادات بارزة في الحركة تؤكد تحكمهم في دوائر صنع القرار، من بينها تصريح مفتي الحركة الشيخ عبدالحي يوسف الذي أكد وجود الجماعة في كل مفاصل الدولة بما في ذلك مكتب قائد الجيش.

الحرب الراهنة: الإسلاميون في قلب النار

حين اندلعت حرب أبريل 2023، كشفت الأيام الأولى أن الحركة لم تكن غائبة بل كانت تنتظر.
ردّ الإسلاميون على نفي البرهان وجودهم في صفوف الجيش بسلسلة تسجيلات وفيديوهات تؤكد مشاركتهم المباشرة، بل وتؤكد أنهم “اليد العليا” في القتال وأن دورهم محوري في العمليات الجارية.

وتجسّد هذا الدور في تشكيلهم العسكري الأبرز؛ فيلق البراء بن مالك يُشير تاريخه إلى أنه امتداد لـ”قوات الدفاع الشعبي” التي شكلها نظام البشير لدعم الجيش في حربه ضد جنوب السودان، وقد انضم لها إسلاميون، ويقول قائد بالبراء إن عددها يتجاوز 20 ألفاً.

وفي المحصلة، يرى خبراء ومحللون أن الجماعة تتعامل مع مسارات التسوية السياسية باعتبارها تهديداً مباشراً لنفوذها ومستقبلها، وأن المخاوف من “اليوم التالي” لوقف الحرب وما قد يحمله من إقصاء سياسي أو محاسبة قانونية، تدفعها إلى عرقلة المبادرات الدولية الرامية إلى إنهاء الصراع.

خلاصة القول: ثلاثة وثلاثون عاماً بين 1989 ومشهد اليوم، والحركة الإسلامية السودانية لم تتغير وجهتها: السلطة بأي ثمن، والحرب إن اقتضى الأمر. وليس مصادفةً أن تكون المفردة الأكثر تكراراً في تاريخها هي كلمة واحدة: الخراب.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.