لم تكن تصريحات مدير البرنامج الأمريكي في مجموعة الأزمات الدولية، مايكل حنا، حول تصاعد حالة “العداء والمعارضة الإيديولوجية تجاه جماعة الإخوان المسلمين” داخل الولايات المتحدة مجرد توصيف عابر لمناخ سياسي متوتر، بل تعكس تحولاً أعمق في طريقة تعامل دوائر القرار الأمريكية مع تيارات الإسلام السياسي خلال السنوات الأخيرة.
فالولايات المتحدة، التي تعاملت لعقود مع جماعة الإخوان المسلمين بمنطق براغماتي قائم على إدارة المصالح والاحتواء السياسي، تبدو اليوم أمام مرحلة مختلفة تتزايد فيها الشكوك تجاه التنظيمات ذات الخلفيات الأيديولوجية العابرة للحدود، خصوصاً في ظل التحولات الإقليمية وصعود الخطابات المرتبطة بالأمن القومي ومحاربة التطرف.
تصريحات مايكل حنا تكشف أن المزاج السياسي داخل واشنطن لم يعد كما كان في مرحلة ما بعد “الربيع العربي”، حين اعتقدت بعض الدوائر الغربية أن إدماج الإسلاميين في السلطة قد يقود إلى استقرار سياسي أو تحول ديمقراطي تدريجي في المنطقة. فالتجارب التي أعقبت تلك المرحلة، بما حملته من صراعات وانقسامات وحروب أهلية، دفعت قطاعات واسعة داخل المؤسسة السياسية الأمريكية إلى إعادة النظر في تلك المقاربة.
ومن الواضح أن هذا التحول لا يرتبط فقط بجماعة الإخوان كتنظيم سياسي، بل بالصورة العامة للإسلام السياسي داخل الغرب، حيث باتت التنظيمات العقائدية تواجه قدراً أكبر من الريبة، سواء من قبل التيارات المحافظة أو حتى بعض المؤسسات الأمنية والبحثية التي تنظر إلى هذه الحركات باعتبارها جزءاً من بيئة الاستقطاب وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط.
في هذا السياق، تبدو جماعة الإخوان في السودان واحدة من أكثر الأطراف تأثراً بهذه التحولات. فالحركة التي ظلت لعقود تعتمد على شبكة علاقات وتحالفات إقليمية ودولية، تجد نفسها اليوم أمام بيئة دولية أكثر تشدداً تجاه أي قوى مرتبطة بالإسلام السياسي، خاصة بعد سقوط نظام عمر البشير وما تبعه من اتهامات تتعلق بالفساد وتسييس مؤسسات الدولة وإضعاف مسار التحول الديمقراطي.
كما أن الحرب السودانية الحالية أعادت ملف الإسلاميين إلى الواجهة الدولية بصورة أكثر حساسية، مع تصاعد الاتهامات المتعلقة بتغلغل التيارات الإسلامية داخل بعض مؤسسات الدولة والجيش، وعودة خطاب التعبئة الأيديولوجية إلى المشهد السياسي والعسكري.
واللافت أن حالة “العداء الإيديولوجي” التي أشار إليها مايكل حنا لا تقتصر على الإدارة الأمريكية وحدها، بل تمتد إلى جزء من المزاج السياسي والإعلامي الغربي الذي أصبح أكثر ميلاً إلى التعامل بحذر مع الحركات الإسلامية، حتى تلك التي تحاول تقديم نفسها بصيغ سياسية أكثر اعتدالاً أو براغماتية.
هذا الواقع يضع جماعة الإخوان أمام معادلة شديدة التعقيد. فمن جهة، تواجه ضغوطاً داخلية متزايدة في عدد من الدول العربية، ومن جهة أخرى تجد أن هامش القبول الدولي يتقلص بصورة واضحة، في وقت تتغير فيه أولويات القوى الكبرى نحو ملفات الأمن والاستقرار ومحاربة الجماعات العابرة للحدود.
لكن السؤال الأهم يظل: هل يعني ذلك نهاية الإسلام السياسي كفاعل مؤثر في المنطقة؟ ربما لا. فالتجارب التاريخية تشير إلى أن الحركات العقائدية تمتلك قدرة عالية على التكيف وإعادة التموضع، خصوصاً في البيئات المضطربة والهشة. غير أن ما تغير بالفعل هو البيئة الدولية والإقليمية التي كانت تمنح هذه التنظيمات مساحة أوسع للحركة والمناورة.
وفي السودان تحديداً، يبدو أن أي مشروع سياسي مستقبلي سيواجه تحدياً كبيراً يتعلق بكيفية بناء دولة وطنية تتجاوز الاستقطابات الأيديولوجية الحادة، وتؤسس لمؤسسات تقوم على الكفاءة والمواطنة لا على الولاءات التنظيمية.
لقد دفعت المنطقة ثمناً باهظاً لصراعات الهوية والأيديولوجيا، وربما يكون الدرس الأهم اليوم أن استقرار الدول لا يتحقق عبر هيمنة تيار واحد، بل عبر بناء عقد وطني يضمن التعددية والتوازن واحترام مؤسسات الدولة.
أما جماعة الإخوان، سواء في السودان أو غيره، فهي أمام مرحلة جديدة تختلف جذرياً عن العقود السابقة؛ مرحلة لم يعد فيها الرهان على التحالفات الخارجية أو الخطاب الأيديولوجي كافياً لضمان البقاء أو العودة إلى السلطة، في عالم تتغير فيه موازين السياسة بسرعة أكبر من أي وقت مضى.
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.