تشهد ولاية كسلا شرق السودان حالة استنفار أمني غير مسبوقة، مع انتشار مكثف لقوات من مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية، ونصب ارتكازات ثابتة في مداخل المدينة وأحيائها الرئيسية، إلى جانب تسيير دوريات تمشيط بصورة منتظمة، في تطور يعكس تصاعد التوتر السياسي والقبلي داخل الولاية. وبحسب مصادر مطلعة، جاءت هذه الإجراءات عقب تفاقم الخلاف بين والي ولاية كسلا، الصادق محمد الأزرق، وناظر عموم الهدندوة محمد الأمين ترك، وسط مخاوف من انزلاق الأوضاع إلى مواجهة قد تهدد الاستقرار الهش في واحدة من أكثر ولايات شرق السودان حساسية.
أزمة تتجاوز الخلاف الإداري
ووفقاً للمصادر، فإن الأزمة لم تعد مجرد خلاف بين مسؤول تنفيذي وزعيم قبلي، بل تحولت إلى صراع مفتوح على النفوذ داخل الولاية، بعد أن أبلغ الناظر ترك رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان بضرورة إقالة الوالي، ملوحاً بخيار “المواجهة المفتوحة” في حال عدم الاستجابة لمطالبه. وتضيف المصادر أن ترك هدد كذلك بفصل المناطق التي تقطنها قبيلة الهدندوة إدارياً عن ولاية كسلا، وتعيين والٍ من أبناء القبيلة لإدارة تلك المناطق، وهو تطور يراه مراقبون مؤشراً على انتقال الأزمة من خلاف سياسي إلى مطالب ذات أبعاد إدارية وقبلية قد تعقد المشهد أكثر.
شرارة الأزمة
وتعود جذور التصعيد الأخير إلى إصدار السلطات أوامر قبض بحق المستشار السياسي للناظر ترك، بتهم تتعلق بتزوير أوراق رسمية وختم والي الولاية، إلى جانب اتهام عدد من العمد بالمشاركة في القضية، حيث صدرت بحقهم كذلك أوامر توقيف. وأثار القرار ردود فعل غاضبة من الناظر ترك، الذي هاجم الوالي علناً خلال لقاء جماهيري، معتبراً الإجراءات استهدافاً سياسياً، الأمر الذي سرّع وتيرة الاحتقان وأعاد التوتر إلى واجهة المشهد في شرق السودان.
إجراءات أمنية احترازية
وتفيد مصادر محلية بأن الانتشار العسكري شمل وحدات من الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية، مع إقامة نقاط تفتيش ثابتة في المواقع الحيوية، وتكثيف الدوريات داخل المدينة وعلى الطرق المؤدية إليها، في محاولة لمنع أي انفلات أمني أو احتكاكات قد تنتج عن حالة الاستقطاب المتزايدة. ويرى متابعون أن هذه الإجراءات تعكس قلق السلطات من احتمال خروج الاحتقان السياسي إلى الشارع، خاصة في ظل الطبيعة القبلية المعقدة للولاية، وما تمتلكه القيادات الأهلية من نفوذ اجتماعي واسع.
مخاطر التصعيد
ويرى الخبير العسكري اللواء المتقاعد أمين إسماعيل أن الدفع بقوات إضافية ونشر ارتكازات ثابتة يشير إلى أن الأجهزة الأمنية تتعامل مع الأزمة باعتبارها تهديداً محتملاً للاستقرار، وليس مجرد خلاف سياسي. ويقول إن “تكثيف الدوريات وإنشاء نقاط تفتيش ثابتة يعد من الإجراءات العسكرية الوقائية التي تُستخدم عندما تتوقع القيادة الأمنية احتمالات وقوع احتجاجات واسعة أو مواجهات محلية، وهدفها الأساسي احتواء أي تطورات قبل خروجها عن السيطرة.”
من جانبه، يوضح المحلل العسكري العميد المتقاعد عبد الرحمن الطيب أن تعدد التشكيلات المشاركة في الانتشار الأمني يعكس رغبة القيادة في إظهار السيطرة ومنع أي طرف من استغلال حالة الاحتقان. ويضيف أن “الأزمات ذات البعد القبلي تحتاج إلى معالجة سياسية واجتماعية بالتوازي مع الإجراءات الأمنية، لأن الاعتماد على الحل الأمني وحده قد يؤدي إلى تهدئة مؤقتة دون معالجة أسباب الأزمة.” كما يشير إلى أن أي تصعيد داخل شرق السودان ستكون له انعكاسات تتجاوز حدود ولاية كسلا، نظراً للأهمية الاستراتيجية للمنطقة وقربها من الموانئ والحدود الدولية، وهو ما يجعل الحفاظ على الاستقرار فيها أولوية بالنسبة للمؤسسة العسكرية.
مخاوف من اتساع الأزمة
ويرى مراقبون أن استمرار التوتر بين السلطة التنفيذية والإدارة الأهلية دون الوصول إلى تسوية قد يفتح الباب أمام مزيد من الاستقطاب داخل الولاية، خصوصاً إذا تحولت الخلافات السياسية إلى اصطفافات قبلية.
ويؤكد محللون أن شرق السودان شهد خلال السنوات الماضية أزمات مشابهة أثرت على الأمن والاقتصاد، الأمر الذي يجعل أي تصعيد جديد مصدر قلق للسكان وللقوى السياسية، في ظل استمرار الحرب التي تعيشها البلاد وتزايد الضغوط الأمنية والاقتصادية. وفي ظل هذا المشهد، تبقى كسلا أمام اختبار جديد، بين احتواء الأزمة عبر الحوار والتسويات السياسية، أو انزلاقها إلى مرحلة أكثر تعقيداً قد يصعب احتواؤها إذا استمر التصعيد بين أطراف النزاع.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.