تجربة الإسلاميين أو الكيزان في السلطة أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن تبنيهم للإسلام كان مجرد شعار لتحقيق أهدافهم ومصالحهم الشخصية من خلال السياسة واستغلال الدين.
فعندما نختبر أداء التنظيم الذي حكم باسم الإسلام ثلاثة عقود ونصف، سنجد فجوة واسعة بين الشعارات والممارسة.
فالإسلام منظومة قيم تقوم على العدل، والصدق، والأمانة، والرحمة، وصيانة الدماء والأموال والحقوق، لكنهم عملوا ضد هذه القيم، وعلى هدم منظومتها.
ونحن لا نقول هذا الكلام من فراغ، فكل شيء موثق ومثبت من خلال أفعالهم ونتائجها التي يدفع السودان ثمنها اليوم خرابا ودمارا ومهانة، فلو أنهم صدقوا شعاراتهم، تخيلوا لو طابقت أفعالهم أقوالهم، كيف كان سيكون حال السودان اليوم؟
الإسلاميون، منذ ظهورهم في السودان، ادعوا أن منهجهم يقوم على رفع راية الإسلام وجعله نظاما شاملا للحياة من خلال الدعوة وأسلمة المجتمع، لكنهم لم يلتزموا بالشروط التي حددها الإسلام في الدعوة، القائمة على التبليغ بالحكمة والموعظة الحسنة وإقامة الحجة، كما قال الله تعالى: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا بمفهوم الأسلمة القائم على الالتزام بأحكام الشريعة وقيمها.
فقد تبنوا القوة والعنف أسلوبا لهم، وكانوا يميلون إلى فرض آرائهم، ولا يؤمنون بالحوار ولا بالحجة ولا بحرية التفكير والرأي.
وأول ضربة وجهوها للمجتمع كانت تحويل منابر العلم والوعي والحوار إلى ساحات للصراع الفكري والاجتماعي العنيف، إذ كانوا يلجؤون إلى العنف كلما عجزوا عن حسم النقاش بالحجة والمنطق، أو كلما رأوا نشاطا يجمع الناس في محبة وسلام، فهم أول من أدخل العنف إلى الجامعات.
هذا التنظيم الاسلاموي، منذ نشأته، تبنى السرية، والتغلغل المؤسسي، واستغلال المؤسسات للوصول إلى السلطة.
وحين وصل إليها عبر الانقلاب على الديمقراطية مستغلا الجيش، ارتبطت فترته بانتشار الفساد المالي والإداري، رغم أن الإسلام شدد على تحريم أكل المال العام، واعتبر خيانة الأمانة من أعظم الذنوب.
كما انتشرت المحسوبية والوساطة، وتقديم الولاء الحزبي والأيديولوجي والقبلي على الكفاءة، بينما يأمر الإسلام بإسناد المسؤوليات إلى أهلها.
وارتكبوا انتهاكات واسعة في حقوق الإنسان، شملت الاعتقالات، والتعذيب، وتقييد الحريات، وحرمان المواطنين من المساهمة في إدارة البلاد، مع أن الإسلام أوصى بصيانة كرامة الإنسان، وحفظ حقوقه، واستشارته في أموره، وحرم التعذيب.
كما انتهج الإسلاميون سياسات مقصودة لنشر الفتن والتحريض بين مكونات المجتمع، واستسهلوا القتل، واسترخصوا الأرواح، بينما جعل الإسلام حفظ النفس من أعظم المقاصد، وحرم سفك الدماء بغير حق، وحذر من الفتنة.
وفي تجاوز سافر لقيم الإسلام، قام الإسلاميون بإهانة النساء وإذلالهن ، ضاربين عرض الحائط بوصية الرسول صلى الله عليه وسلم: «ما أكرمهن إلا كريم، وما أهانهن إلا لئيم»، بل لم يهتموا حتى بقيم المجتمع السوداني الذي يعتبر إهانة النساء انتقاصا من الرجولة.
ولا يمكن تجاهل الأزمات الاقتصادية التي عاشها السودان نتيجة الفساد وسوء الإدارة وعدم الكفاءة، وما صاحبها من تدهور في مستوى المعيشة، وانتشار الفقر، والبطالة، والهجرة، والجهل، والمرض.
كما أهدروا كرامة الإنسان السوداني الذي عانى من غياب التقدير والاحترام، والتفرقة، والعنصرية، وهو ما أضعف المجتمع، وأحدث تحولات سلبية في قيمه وسلوكياته.
وفي المقابل، يحمل الإسلام قادة المجتمع مسؤولية رعاية الناس، وحفظ كرامتهم، وتحقيق مصالحهم، وبناء مجتمع متماسك تسوده قيم المساواة، والعدل، والقوة، والمنعة.
وفوق كل ذلك، استخدم الإسلاميون النصوص والشعارات الدينية لتبرير مواقفهم السياسية، وإضفاء قداسة على قراراتهم، بما في ذلك تبرير العنف والقتل، والإفتاء بتحليله، وتفسير النصوص بما يخدم مصالحهم.
والمصيبة الأكبر أنهم ظلوا، ولا يزالون، مصرين على عدم الاعتراف بأخطائهم، أو مراجعة مواقفهم، أو الاعتذار، رغم أن ذلك من أعظم قيم الإسلام، ويدل على كمال الإيمان.
ومضوا إلى أقصى درجات التمادي في الخطأ، ولجؤوا إلى إشعال الحرب، وهم يأملون أن تمحو آثار أفعالهم من خلال تضليل الناس بنفس الشعارات، من أجل إعادة بناء نفس الدولة، دولة يستمدون قوتهم فيها من ضعف الشعب وهوانه.
إن الإسلام دين عدل ورحمة، ودين المعاملة الحسنة، والسلم والسلام، والأخلاق الكريمة.
فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده».
وقال أيضا: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره».
وقال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».
وقال: «أقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا».
وقال: «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا».
وقال: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء».
لكن الإسلاميين كانوا على النقيض من هذه القيم، فلم يسلم الناس من ألسنتهم ولا من أيديهم، ومارسوا الظلم، والخذلان، والاحتقار، وكل سلوك نهى عنه الإسلام.
واليوم، وبعد ثلاثة عقود ونصف من حكمهم، لم تغير التجربة شيئا في ممارساتهم، ولذلك فإننا على يقين بأنهم لن يتغيروا، لأنهم لا يملكون الشجاعة الأخلاقية للاعتراف بما اقترفوه، ولا الاعتذار عنه، ولا التوبة والاستغفار منه.
وبذلك يثبتون أن غايتهم من تبني شعارات الإسلام هي تحقيق مصالحهم ارضاء لانفسهم ، لا خوفا من الله، ولا طمعا في عفوه ومغفرته للآخرة، التي استبدلوها بالدنيا، وقد جعلوا السلطة والثروة غايتهم.
ولذلك نقول لهم: أما آن الأوان أن تجاهدوا أنفسكم، وأن تسلموا بالأفعال لا بالأقوال؟
أما آن الأوان أن تتقوا الله، وأن تطبقوا شعاراتكم الإسلامية على أنفسكم قبل غيركم؟
أما آن الأوان أن ترتقوا بأخلاقكم؟
لكن الإجابة تبدو معلومة للجميع، ففاقد الشيء لا يعطيه.
ولذلك نقول للشعب السوداني: لقد حان الوقت لمواجهة هذه التجربة الفاشية المتدثرة بثوب الإسلام، والعمل على إعادة بناء وإصلاح المجتمع على أسس العدل، والرحمة، والسلام، والمحبة، وإعلاء مكارم الأخلاق.
قال تعالى: وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.