إضراب أساتذة الجامعات السودانية.. هل يعود صوت النقابات إلى واجهة التغيير؟
نورا عثمان
مع دخول إضراب أساتذة الجامعات السودانية يومه الخامس والخمسين، لا يبدو الأمر مجرد خلاف مهني حول الأجور والاستحقاقات الوظيفية، بل يعيد إلى الأذهان دور الأجسام النقابية والمهنية في صناعة التحولات السياسية الكبرى التي شهدها السودان خلال العقود الماضية، وفي مقدمتها ثورة ديسمبر المجيدة التي أسقطت نظام عمر البشير.
فأساتذة الجامعات لم يكونوا يوماً مجرد شريحة أكاديمية معزولة عن قضايا المجتمع. بل ظلوا جزءاً من الضمير الوطني السوداني، ومكوناً أساسياً في الحراك المدني الذي نادى بالديمقراطية والعدالة والحرية. ومن داخل قاعات الجامعات ومراكز البحث انطلقت أفكار التغيير، وتشكلت كثير من المبادرات التي ساهمت في بلورة الوعي العام تجاه قضايا الوطن.
اليوم، وبينما تتواصل الحرب وتتعرض مؤسسات الدولة إلى واحدة من أعنف الأزمات في تاريخها، يجد أساتذة الجامعات أنفسهم أمام واقع قاسٍ يتمثل في تدهور الأوضاع المعيشية، وانهيار البنية التعليمية، وتعطل العملية الأكاديمية في معظم مؤسسات التعليم العالي. لذلك فإن الإضراب الحالي لا يعكس فقط مطالب فئوية، وإنما يكشف أيضاً حجم الأزمة التي تعيشها مؤسسات الدولة السودانية بصورة عامة.
لقد لعبت الأجسام المهنية والنقابية دوراً محورياً في ثورة ديسمبر، حين نجحت في توحيد مطالب الشارع وتقديم رؤية مدنية للتغيير. وكانت تجمعات المهنيين والنقابات المستقلة آنذاك من أبرز أدوات الحشد والتنظيم، وأسهمت في نقل الاحتجاجات من حالة الغضب الشعبي إلى مشروع سياسي متكامل يطالب بإسقاط النظام وبناء دولة جديدة.
لكن المشهد اليوم أكثر تعقيداً مما كان عليه قبل سنوات. فالسودان يعيش حرباً مدمرة، ومؤسسات الدولة تعاني من الانقسام والتفكك، فيما تواجه القوى المدنية تحديات كبيرة تتعلق بإعادة تنظيم صفوفها واستعادة ثقة الشارع.
ورغم ذلك، فإن التاريخ السوداني يثبت أن النقابات والأجسام المهنية كانت دائماً لاعباً مؤثراً في لحظات التحول الكبرى. فقد لعبت دوراً مهماً في ثورتي أكتوبر 1964 وأبريل 1985، كما كانت أحد أعمدة الحراك الشعبي في ديسمبر 2018. وهذا الإرث يجعل من الصعب تجاهل إمكانية عودة هذه القوى إلى واجهة المشهد عندما تنضج ظروف التغيير من جديد.
السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: هل يتكرر المشهد؟ وهل تستطيع الأجسام النقابية استعادة دورها التاريخي في قيادة المطالب الشعبية؟
الإجابة ليست سهلة، لكن المؤكد أن النقابات المهنية لا تزال تمتلك عناصر قوة مهمة، أبرزها ارتباطها المباشر بقضايا المواطنين، ووجودها داخل قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة والخدمة المدنية. كما أن تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية يخلق أرضية مشتركة بين مختلف الفئات المهنية للمطالبة بإصلاحات أوسع تتجاوز المطالب المطلبية المباشرة.
غير أن نجاح أي دور مستقبلي للنقابات يتطلب استقلاليتها عن الاستقطابات السياسية الحادة، وقدرتها على بناء أجندة وطنية جامعة تضع مصلحة السودان فوق الحسابات الحزبية الضيقة. فالتحدي الأكبر اليوم ليس فقط إسماع الصوت، وإنما تقديم رؤية قادرة على إخراج البلاد من دوامة الحرب والانهيار.
إن إضراب أساتذة الجامعات، في جوهره، رسالة تتجاوز أسوار الجامعات. إنه تذكير بأن بناء الدولة لا يقوم على القوة العسكرية وحدها، وإنما يعتمد أيضاً على احترام المعرفة والعلم والمؤسسات المدنية. كما أنه يسلط الضوء على حقيقة أن أي مشروع وطني للمستقبل لا يمكن أن ينجح في ظل تهميش الكفاءات والعقول التي يفترض أن تقود عملية إعادة البناء.
ربما لا تكون الظروف الحالية مشابهة تماماً لما كانت عليه في ديسمبر، لكن المؤكد أن السودان لا يزال بحاجة إلى أصوات العقل والتنظيم والعمل المدني. وإذا كانت النقابات قد لعبت دوراً محورياً في صناعة التغيير بالأمس، فإنها قد تجد نفسها مرة أخرى أمام مسؤولية تاريخية للمساهمة في رسم ملامح المستقبل، عندما تحين لحظة السلام واستعادة الدولة.
ويبقى الرهان على أن تتحول المطالب المهنية المشروعة إلى جزء من مشروع وطني أوسع، يعيد الاعتبار للمؤسسات المدنية، ويضع السودان على طريق الاستقرار والديمقراطية والتنمية بعد سنوات طويلة من الأزمات والصراعات.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.