ثمة خلل عميق يصيب المجتمعات حين تنقلب سلّم القيم فيها، فيصبح الذين يصنعون المستقبل أقل الناس حظا في الحاضر. وهذه هي المأساة التي يعيشها المعلم السوداني اليوم تحت سياسات حكومة الحرب بقيادة البرهان. فقد تحول المعلم، عبر سنوات من الإهمال والتهميش، إلى واحد من أكثر الفئات فقرا وعجزا عن مواجهة متطلبات الحياة، رغم أنه يقف كل صباح ليصنع الأطباء والمهندسين والقضاة والوزراء وقادة الغد.
لم يعد السؤال: كم يتقاضى المعلم؟ فالجميع يعرف أن راتبه فقد معناه الاقتصادي منذ زمن. السؤال الحقيقي هو: كيف يعيش المعلم أصلا؟ كيف يواجه إيجار المنزل وأسعار الغذاء والدواء والمواصلات؟ كيف يحافظ على كرامته وهو يرى راتبه يتبخر قبل أن يصل إلى يديه؟
لقد حاصرت الديون آلاف المعلمين. وأصبحت الاستدانة جزءا من تفاصيل حياتهم اليومية. كثير منهم يعيش بين دفاتر الطلاب وفواتير البقالة المتراكمة، وبين واجب تربوي نبيل وواقع اقتصادي قاسٍ لا يرحم. هؤلاء لا يمدون أيديهم إلى الناس، ولا يجيدون التسول، ولا يعتاشون على الضجيج السياسي. إنهم يحملون ما تبقى من رسالة التعليم في بلد أنهكته الحرب والأزمات.
المفارقة المؤلمة أن الدولة التي تعجز عن توفير حياة كريمة للمعلم لا تبدو عاجزة حين يتعلق الأمر بامتيازات السلطة. فوفود حكومة الحرب تجوب العواصم، وتقام الاجتماعات والمؤتمرات، وتصرف الحوافز والمخصصات بالدولار، بينما يقف المعلم أمام رفوف الأسواق عاجزا عن شراء أبسط احتياجات أسرته. وكأن الوطن يملك المال لكل شيء إلا للتعليم، ويجد الموارد لكل الملفات إلا للمعلم.
أي رسالة تريد السلطة إرسالها إلى المجتمع حين يكون معلم المدرسة أفقر من كثير من العاملين في المهن الهامشية؟ أي قيمة للتعليم حين يرى الطالب أن من يعلمه عاجز عن تأمين احتياجاته الأساسية؟ إن القضية هنا لا تتعلق بالأرقام وحدها، وإنما تتعلق بالمكانة الرمزية للمعلم داخل المجتمع. فحين تهان هذه المكانة، تهان معها المعرفة والثقافة والعقل.
لقد أدت الحرب إلى تدمير قطاعات واسعة من حياة السودانيين، غير أن الكارثة الأكبر تكمن في تدمير الإنسان الذي يحمل مشروع الخروج من هذه الحرب. فالمعلم ليس موظفا عاديا في مؤسسة حكومية. إنه حجر الأساس في بناء الدولة. وكل جنيه يحرم منه المعلم اليوم سيدفع الوطن ثمنه جهلا وتأخرا وتراجعا في المستقبل.
من المؤسف أن تتحول قضية المعلمين إلى ملف مؤجل في وقت تنفق فيه الأموال على ملفات أقل أهمية. ومن المؤلم أن يطلب من المعلم الصبر عاما بعد عام، بينما تتسع الفجوة بين دخله وتكاليف الحياة بصورة غير مسبوقة. فالصبر ليس سياسة اقتصادية، والشعارات لا تشتري الخبز، والخطب لا تسدد الديون.
إضراب المعلمين في جوهره ليس مواجهة مع المجتمع، وإنما دفاع عن المجتمع نفسه. فالمعلم الذي يطالب بأجر عادل يدافع عن حق المدرسة في البقاء، وعن حق الأطفال في تعليم مستقر، وعن حق السودان في مستقبل أفضل. وما يطلبه المعلمون اليوم ليس امتيازا استثنائيا، وإنما الحد الأدنى من العدالة الإنسانية.
إن الأمم التي تحترم نفسها تبدأ باحترام معلميها. أما الأمم التي تتركهم فريسة للفقر والحاجة، فإنها تكتب بيدها شهادة التراجع. وحين يصبح صانع الأجيال أفقر أبناء الوطن، فلا ينبغي أن نسأل لماذا تضعف المدارس، بل لماذا ضعفت البصيرة التي أوصلتنا إلى هذا المشهد الحزين.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.