هل يستفيد المعلمون من إرث الإضرابات وتجربة قياداتهم في تجمع المهنيين؟

تقرير: عين الحقيقة

ذاكرة الحراك النقابي تعود إلى الواجهة مع تصاعد المطالب المعيشية

مع اتساع رقعة الإضرابات المطلبية وسط المعلمين السودانيين وتصاعد المطالب المتعلقة بالأجور والاستحقاقات المالية، عاد إلى الواجهة الحديث عن الإرث النقابي الذي راكمه المعلمون خلال السنوات الماضية، والدور الذي لعبه عدد من قياداتهم في تأسيس وإدارة الحراك النقابي الذي قاد إلى ظهور تجمع المهنيين السودانيين، أحد أبرز الأجسام التي لعبت دوراً محورياً في الاحتجاجات التي انتهت بسقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير في أبريل 2019.
ويطرح مراقبون تساؤلات حول ما إذا كانت الحركة المطلبية الحالية للمعلمين تستفيد من الخبرات التنظيمية والتراكمات النقابية التي نشأت خلال تلك المرحلة، أم أن الظروف السياسية والاقتصادية المختلفة تفرض واقعاً جديداً يجعل المقارنة بين التجربتين أمراً معقداً.
المعلمون.. حضور مبكر في الحراك النقابي
لم يكن المعلمون بعيدين عن المشهد النقابي الذي سبق ثورة ديسمبر. فمنذ سنوات طويلة، ظل قطاع التعليم أحد أكثر القطاعات ارتباطاً بالحراك المطلبي، سواء من خلال المطالبة بتحسين الأجور أو الدفاع عن الحقوق المهنية وبيئة العمل.
وخلال السنوات الأخيرة من حكم البشير، برز عدد من المعلمين والنقابيين ضمن القوى التي ساهمت في بناء شبكات العمل المهني المستقل، والتي تطورت لاحقاً إلى كيانات لعبت دوراً مهماً في تنظيم الاحتجاجات وتنسيق التحركات الجماهيرية.
ويرى متابعون أن هذه الخبرة التنظيمية منحت المعلمين أدوات مهمة في إدارة العمل النقابي، بدءاً من بناء اللجان القاعدية وصولاً إلى تنسيق المواقف وإصدار البيانات وتعبئة الرأي العام حول القضايا المهنية.
تجربة تجمع المهنيين.. مدرسة في التنظيم
يعتبر كثير من المراقبين أن نجاح تجمع المهنيين السودانيين في حشد قطاعات واسعة من المجتمع خلال الفترة التي سبقت سقوط نظام البشير لم يكن وليد اللحظة، بل جاء نتيجة تراكم طويل من الخبرات النقابية والمهنية.
وقد أظهرت تلك التجربة أهمية التنظيم القاعدي والتنسيق بين القطاعات المختلفة، إضافة إلى القدرة على توحيد المطالب المهنية والمطلبية ضمن رؤية أوسع تستقطب قطاعات كبيرة من المجتمع.
ويرى محللون أن بعض الأدوات التي استخدمت في تلك المرحلة، مثل بناء شبكات التواصل المهني وإدارة الحملات الإعلامية وتوحيد الخطاب المطلبي، ما زالت حاضرة في العديد من التحركات النقابية الحالية.
بين المطالب المعيشية والوعي التنظيمي
يؤكد مختصون في الشأن النقابي أن نجاح أي إضراب لا يرتبط فقط بحجم المشاركة، بل أيضاً بقدرة القائمين عليه على إدارة المعركة التفاوضية وتنظيم الصفوف والمحافظة على وحدة المطالب.
وفي هذا الإطار، يعتقد مراقبون أن المعلمين يمتلكون رصيداً مهماً من الخبرات التنظيمية المتراكمة، سواء عبر التجارب النقابية السابقة أو من خلال مشاركتهم في الحراك المهني الذي شهدته البلاد خلال السنوات الماضية.
كما يشير هؤلاء إلى أن الوعي بأهمية التنظيم والتواصل مع القواعد المهنية يمثل أحد أبرز نقاط القوة التي قد تساعد المعلمين في الحفاظ على تماسك حراكهم المطلبي.
اختلاف الظروف بين الأمس واليوم
ورغم أوجه التشابه المتعلقة باستخدام الإضراب كوسيلة ضغط، يرى مراقبون أن هناك اختلافات جوهرية بين الظروف التي سبقت سقوط نظام البشير والواقع الحالي.
فالحراك الراهن ينطلق أساساً من مطالب مهنية واقتصادية تتعلق بالأجور والاستحقاقات الوظيفية، في وقت تواجه فيه البلاد أوضاعاً استثنائية بسبب الحرب والانهيار الاقتصادي وتراجع الخدمات العامة.
كما أن المشهد السياسي الحالي أكثر تعقيداً، في ظل تعدد مراكز النفوذ وتداخل الأزمات الأمنية والاقتصادية، وهو ما يجعل أي حراك نقابي يعمل في بيئة مختلفة عن تلك التي شهدتها البلاد قبل سنوات.
هل يتحول الإضراب إلى نموذج لقطاعات أخرى؟
يرى خبراء أن أهمية إضراب المعلمين تتجاوز نتائجه المباشرة، إذ تراقب قطاعات مهنية عديدة مسار هذه التجربة ومدى قدرتها على تحقيق مكاسب ملموسة للعاملين.
وفي حال نجح المعلمون في انتزاع استجابات لمطالبهم عبر أدوات العمل النقابي المنظم، فقد يشكل ذلك حافزاً لقطاعات أخرى تعاني من مشكلات مشابهة تتعلق بالأجور وظروف العمل.
ويؤكد مراقبون أن الإرث النقابي الذي راكمه المعلمون خلال العقود الماضية، والخبرات التي اكتسبها بعض قياداتهم من العمل داخل الأجسام المهنية، قد يمنحهم قدرة أكبر على إدارة حراك طويل النفس، خاصة إذا تمكنوا من الحفاظ على وحدة الصف والتركيز على المطالب المشتركة.
إرث حاضر في الذاكرة
وبينما تختلف الظروف والتحديات من مرحلة إلى أخرى، يبقى الإرث التنظيمي والنقابي الذي ساهم المعلمون في بنائه جزءاً من الذاكرة المهنية والسياسية السودانية.
ومع استمرار الإضرابات والمطالبات بتحسين الأوضاع المعيشية، يبدو أن السؤال لم يعد يتعلق فقط بقدرة المعلمين على الاستفادة من تجارب الماضي، بل أيضاً بمدى قدرتهم على تطوير أدوات جديدة تتناسب مع واقع السودان الحالي، وتمنحهم فرصة أكبر لتحقيق مطالبهم في واحدة من أكثر الفترات تعقيداً في تاريخ البلاد.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.