كلما ارتفعت أصوات المعلمين مطالبين بحقوقهم المشروعة، عادت إلى الأذهان صور الحراك المهني الذي لعب دوراً بارزاً في المشهد السوداني خلال السنوات الماضية. وليس غريباً أن يستحضر كثيرون تجربة ثورة ديسمبر عند متابعة الإضرابات الحالية، فالمعلمون كانوا دائماً جزءاً من الحركة النقابية والاجتماعية التي عبرت عن تطلعات قطاعات واسعة من السودانيين إلى حياة أكثر كرامة وعدالة.
لكن إضراب المعلمين اليوم ينطلق، في المقام الأول، من واقع معيشي بالغ القسوة. فالمعلم الذي يحمل على عاتقه مسؤولية تعليم الأجيال يواجه تحديات اقتصادية متزايدة، في ظل أجور تراجعت قيمتها الشرائية بصورة كبيرة، وارتفاع مستمر في تكاليف الحياة. ولذلك فإن المطالب المطروحة لا تبدو سياسية بقدر ما هي مطالب مرتبطة بالعيش الكريم والقدرة على مواصلة أداء الرسالة التعليمية.
ورغم ذلك، فإن التاريخ السوداني يخبرنا بأن الحركات المطلبية كثيراً ما تجاوزت حدود مطالبها المباشرة لتطرح أسئلة أكبر تتعلق بطبيعة الدولة وأولوياتها وعلاقتها بالمواطنين. فعندما يشعر العامل أو المعلم أو الطبيب بأن صوته غير مسموع، تتحول القضية من مطلب مهني إلى قضية ثقة بين المجتمع ومؤسسات الحكم.
إن ما يمنح إضراب المعلمين أهميته ليس فقط تأثيره على العملية التعليمية، بل كونه يعكس حالة أوسع من الضيق الاجتماعي والاقتصادي يعيشها ملايين السودانيين. فالمعلمون ليسوا الفئة الوحيدة التي تواجه ضغوطاً معيشية؛ بل إن قطاعات واسعة من العاملين والموظفين تكافح يومياً لمواجهة أعباء الحياة في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.
ومن هنا، فإن الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من تجارب السودان السابقة هو أن الاستقرار لا يتحقق عبر تجاهل المطالب أو تأجيلها، وإنما عبر الإنصات الجاد إليها ومعالجة أسبابها. فالحوار والاستجابة للمطالب المشروعة يظلان الطريق الأقصر لتجنب اتساع فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع.
إن إضراب المعلمين ليس مجرد حدث نقابي عابر، بل هو مؤشر على عمق الأزمة التي يعيشها قطاع التعليم والعاملون فيه. وهو في الوقت نفسه تذكير بأن بناء المستقبل يبدأ من احترام من يصنعون هذا المستقبل داخل الفصول الدراسية.
ولعل ما ينبغي أن يبقى حياً من روح ديسمبر ليس الدعوة إلى المواجهة أو التصعيد، بل الإيمان بقيمة العمل الجماعي السلمي، وأهمية الدفاع عن الحقوق بوسائل مدنية، والتمسك بفكرة أن كرامة المواطن يجب أن تكون في صدارة أي مشروع وطني يسعى لإنقاذ السودان من أزماته المتراكمة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.