تتداول المجتمعات قصة رمزية خالدة عن المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل، حين واجهت مطالب مهنيين بمساواة أجورهم برواتب المعلمين بردٍ مفحم: “كيف أساويكم بمن علّموكم؟”.
كانت تلك الجملة تعبيراً عن إدراك عميق بأن المعلم ليس مجرد موظف يؤدي خدمة، بل هو حجر الزاوية الذي يُبنى عليه صرح الدولة ومستقبل أجيالها.
أما في واقعنا اليوم، في السودان فقد انقلبت الموازين، وتحولت تلك القاعدة الأخلاقية إلى ذكرى أليمة، بينما يغرق المعلم السوداني في بحر من التجاهل، محاصراً بين قرارات حكومية “ورقية” لا تغني ولا تسمن من جوع، وبين غلاء فاحش جعل من الحياة اليومية معجزة تستعصي على الفهم.
أرقام تصرخ بالظلم
إن الحديث عن مرتبات المعلمين اليوم هو حديث عن أرقام أفرغت من معناها. عندما يصل راتب مدير مدرسة قضى في الخدمة 42 عاماً إلى 224 ألف جنيه (ما يعادل 54 دولاراً تقريباً)، فإننا لا نتحدث عن “أجر”، بل نتحدث عن إهانة مهنية ومجتمعية.
حين تقارن هذه الأرقام بتكاليف المعيشة الأساسية، تكتشف الفجوة المرعبة:
أنبوبة الغاز: تتجاوز 100 ألف جنيه (نصف راتب المدير تقريباً).
سلة الخبز اليومية: تلتهم الجزء الأكبر مما تبقى من الدخل الضئيل.
الخدمات الأساسية: كفاتورة الكهرباء التي تبتلع ميزانية الأسرة الشهرية كاملة.
نحن أمام مفارقة مأساوية؛ حيث يساوي كيلو اللحم راتب موظف في الدولة، ويساوي جالون البنزين أجر “قفير” (حارس) المدرسة طوال الشهر.
هل يعقل أن يُنتظر من هؤلاء المربين، الذين يعلمون النشء كيف يصنعون المستقبل، أن يستمروا في العطاء وهم يعيشون في دائرة العوز والحرمان؟
قرارات بلا ظلال
يتساءل المعلمون اليوم: أين تذهب التوجيهات؟ عندما يصدر توجيهاً بصرف مرتبات 5 أشهر، أو يعد رئيس الوزراء بصرف 6 أشهر، ثم يكتشف المعلم أن هذه القرارات “حدها الكاميرا” أو أنها “تضرب بالحيطة” داخل أروقة وزارة المالية، فإننا أمام أزمة ثقة خانقة.
إن عدم تنفيذ هذه القرارات ليس مجرد فشل إداري، بل هو استخفاف بكرامة الإنسان السوداني. وكأن صُنّاع القرار يتخيلون أن المعلم يعمل “بالطاقة الشمسية”، لا يحتاج لمأوى، ولا يمرض، ولا يحتاج لغذاء، ولا يعيل أسرة.
رسالة إلى من يهمهم الأمر
إن تجاهل حقوق المعلمين ليس “سياسة تقشف”، بل هو تدمير ممنهج للتعليم، وهو انتحار لمستقبل الدولة. إن المعلم الذي لا يجد ما يقتات به، لا يمكنه أن يقدم علماً، ومن تكسر كرامته لا يبني وطناً.
إن صرخة المعلمين اليوم ليست مجرد مطالبة بزيادة في الأجر، بل هي صرخة استغاثة إنسانية. هي دعوة لكل ضمير حي، ولكل مسؤول يملك قراراً، بأن يتوقف عن المتاجرة بمعاناة من علّموه وعلموا أبناءه.
إن التضامن مع المعلم ليس خياراً، بل هو واجب وطني وأخلاقي. لن يتوقف هذا النزيف إلا برد الحقوق إلى أصحابها، والتوقف عن سياسة الوعود الجوفاء. نحن نقف مع المعلم السوداني، ليس فقط في مطالبته بحقوقه المادية، بل في استرداد مكانته التي يستحقها، ليعود المعلم “مُعلماً” لا “متسولاً” على أبواب المالية.
كامل التضامن، وكامل الدعم، حتى استرداد الحقوق كاملة غير منقوصة.
في ظل هذه الظروف الاقتصادية والسياسية المعقدة، ما هي الخطوات العملية التي تعتقد أنها الأكثر تأثيراً لانتزاع حقوق المعلمين بعيداً عن دائرة الوعود غير المنفذة؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.