في ولاية الجزيرة، أرض المشروع العظيم، وأرض الرجال الذين تعلّموا من النيل معنى الصبر ومن التراب معنى الثبات، وقف المعلمون والمعلمات اليوم وقفةً ستظل محفورة في ذاكرة الحركة المطلبية السودانية، وهم يتقدمون نحو وزارة التربية والتعليم حاملين مذكرة مطالبهم العادلة، بإسم معلمات ومعلمي ولاية الجزيرة ، الكيان المهني الجامع الذي وحد الصف والكلمة وقفز فوق الخلافات، في مشهد يختلط فيه الكبرياء بالمسؤولية، والإصرار بالحكمة، والحق بالشجاعة.
لم يكن وصول الوفد حدثًا عاديًا. فقد أحاطت السلطات الوزارة بإجراءات أمنية مشددة، وكأنها تستعد لمواجهة قوة هائلة. لكنها كانت بالفعل كذلك؛ فليس في السودان قوة أشد بأسًا من أصحاب الحق حين يدركون عدالة قضيتهم. ولم تكن تلك القوة سلاحًا ولا عتادًا، وإنما رجال ونساء يحملون رسالة التعليم، ويطالبون بحقوق يعلم الجميع مشروعيتها وعدالتها.
أي مفارقة أكبر من أن تخشى السلطة معلمين يحملون مذكرة؟ وأي شهادة أبلغ من أن تتحرك الأجهزة الأمنية بكامل حذرها أمام أصحاب الطباشير والكتب والدفاتر؟ إنها شهادة مجانية على المكانة التي بلغتها وحدة المعلمين بولاية الجزيرة ، وعلى الثقل الحقيقي الذي بات يمثله المعلمون في الوجدان العام وفي معادلة الشأن العام السوداني.
لكن المشهد لم يتوقف عند بوابات الوزارة. فقد جاءت الاستجابة من داخل الوزارة نفسها مختلفة عن كل ما اعتاده المعلمون في سنوات التجاهل والمماطلة. استقبل الوزير الوفد استقبالًا إيجابيًا، واستعرض المذكرة بندًا بندًا، وفقرة فقرة، وقدم ردوده المباشرة عليها، في سلوك يعكس إدراكًا متزايدًا بأن قضية المعلمين لم تعد قابلة للإهمال أو الترحيل إلى رفوف النسيان.
وكانت الرسالة الأهم حين أكد الوزير أن المطالب الواردة في المذكرة هي حقوق مستحقة، ووعد بالعمل على تنفيذها، كما تعهد برفعها إلى السيد الوالي، في اعتراف واضح بأن القضية ليست منحة تُطلب، وإنما استحقاق يجب الوفاء به.
غير أن أكثر ما سيبقى من هذا اليوم ليس الإجراءات الأمنية، ولا حتى الوعود الرسمية، وإنما ذلك الاعتراف المعنوي المهم والكبير بالجسم الذي يمثل القاعدة الحقيقية للمعلمين.
لقد قالها الواقع قبل أن يقولها الوزير: إن من يقف خلفه المعلمون هو من يمثلهم. لا الأجسام الورقية. ولا الكيانات المصنوعة في غرف السلطة. ولا النقابات التي فقدت صلتها بقواعدها حتى أصبحت تتحدث باسم المعلمين أكثر مما تستمع إليهم.
ولهذا وضعت هذه الخطوة ما بات يعرف بين المعلمين بـ”نقابة السلطان” في موقف بالغ الحرج. فبينما كان وفد معلمات ومعلمي ولاية الجزيرة وفدًا حقيقيًا يحمل مطالب حقيقية ويجد استجابة حقيقية، كانت كل ادعاءات التمثيل الأخرى تتهاوى أمام مشهد بسيط لكنه بالغ الدلالة: المعلمون يعرفون من يمثلهم، والسلطات نفسها بدأت تدرك هذه الحقيقة.
لقد خرج معلمو الجزيرة اليوم منتصرين قبل أن تتحقق المطالب كاملة؛ لأنهم انتصروا أولًا للخوف فهزموه، وللتردد فتجاوزوه، وللصمت فكسروا قيوده. خرجوا ليؤكدوا أن المعلم السوداني ليس مجرد موظف ينتظر راتبًا آخر الشهر، وإنما صاحب رسالة وصاحب كرامة وصاحب حق.
وإذا كانت الجزيرة قد أنجبت يومًا قادة للمشروع الزراعي الأكبر في إفريقيا، فإنها اليوم تقدم نموذجًا جديدًا في المشروع الوطني للدفاع عن كرامة المعلم السوداني. فسلام على معلمات ومعلمي ولاية الجزيرة. وسلام على النساء والرجال الذين ساروا إلى الوزارة ورؤوسهم مرفوعة. وسلام عليهم وهم يثبتون مرة أخرى أن الشرعية تُصنع في الميدان لا في المكاتب. وسلام على كل معلم أدرك أن الحقوق لا يحرسها الصمت، وإنما يحرسها أصحابها.
لقد أحاطت السلطات الوزارة بالحواجز الأمنية.
أما المعلمون، فقد أحاطوا قضيتهم بالإيمان واليقين.
ولذلك كان انتصارهم اليوم أكبر من مذكرة، وأبقى من موعد، وأعمق من إجراء إداري عابر.
كان انتصارًا للكرامة نفسها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.