بين بياض السَّمُّور ووحل الخنازير.. مَن يُنقذ السودان من هاوية النُّخب؟
الجميل الفاضل يكتب - سؤال المبتدأ، جواب الخبر؟!
يقولون إن توقيعاً قد انعقد أمره في أديس أبابا، وإن حروفاً جديدة أُضيفت إلى أرشيف البيانات السودانية الثقيلة، وإن إعلاناً مشتركاً وُلد بين “صمود”، والكتلة الديمقراطية، وحزب البعث، والمؤتمر الشعبي، وحزب الأمة – مبارك الفاضل – وقافلة من الأسماء التي تُحصى بالأرقام أكثر مما تُعرف بالأثر.
لكن السؤال الذي ينهض من بين الأنقاض ليس: ماذا وقّعوا؟
بل: مَن بقي في السودان كي يوقّع بالدم على جراحه الراعفة؟
وهل صار الداءُ طبيبَ الداءِ في زمنٍ اختلطت فيه المرايا بشقوق الزمن؟ وهل أصبح الجريحُ مؤهلاً لمداواة جريحٍ آخر هو جارحه، وهو ما يزال ينزف تحت ذات مديته الصدئة؟ وهل يستطيع فاقدُ الشيء أن يمنحه، بينما يداه ممتلئتان بالفراغ، وجيوبه عامرةٌ بالخيبات؟
إنها أسئلة لا تُطرح على أهل الاجتماع في الفنادق، إنما على أهل المقابر الجماعية، وعلى قوافل النزوح التي تمشي اليوم في جغرافيا السودان كأنها تمشي علي الجمر.
ولطالما ذكّرتني جماعة “لا للحرب” – بعد ثلاثة أعوام من الدوران في فلك العبارة المجردة – بقصةٍ يرويها علماء التاريخ الطبيعي عن حيوان صغير أبيض الفراء، شديد العناية بنقائه، يُدعى “السَّمُّور”.
كان الصيادون يعرفون سرَّه.
لم يكونوا يطاردونه مباشرة، لكنهم يذهبون أولاً إلى الطرق التي اعتاد المرور بها، فيلطخونها بالطين والوحل، ثم يطلقون خلفه كلاب المطاردة.
وحين يبلغ السَّمُّور المرهق تلك المسالك الملوثة، يتوقف فجأة.
يقف أمام الطين كما يقف بعض الناس أمام الواقع.
يتردد.
يرفض العبور.
يأبى أن ينجو متسخاً.
فيُصاد.
ويموت.
لكنه يموت محتفظاً ببياضه.
يا لها من مأساة!
ويا لها من نرجسية حين تتحول الطهارة من وسيلة للحياة إلى وسيلة للموت.
فالبياض الذي لا يحرس الناس ليس فضيلةً كاملة، والطهرانية التي تعجز عن حماية طفلٍ من رصاصة، أو امرأةٍ من نزوح، أو وطنٍ من تفكك، ليست سوى نوعٍ آخر من الهروب المتأنق.
وعلى الضفة الأخرى من المشهد، تنهض حكاية مختلفة.
حكايةٌ تقول:
“إذا دخلت مع خنزير في عراك داخل الوحل، فسوف تتسخ أنت، بينما يستمتع هو.”
لأن الوحل بالنسبة للخنزير ليس حادثاً عابراً.
إنه وطنه.
وبيئته.
وعنصر حياته.
ولهذا فإن الذي يختار أن يقاتله بأدواته، يمنحه النصر قبل أن تبدأ المعركة.
وهكذا فعلت كثير من نخبنا.
فبعد أن عجزت هي كقوي ثورة عن صناعة البديل، هبطت اليوم إلى ما هو اسوأ، الي مستنقع المحاصصات القديمة، والتسويات العقيمة، وأسواق المساومة التي لا تبيع إلا الأوهام.
فلم تنتصر.
ولم تبقَ هي كذلك نظيفة كما كانت تظن.
بل خسرت البياض والقدرة معاً.
وهكذا وجد السودان نفسه معلقاً بين مأزقين:
بين سَمُّورٍ يرفض أن يعبر الطين حتى لو كان خلفه شعبٌ بأكمله ينتظر النجاة، وخنازيرَ تتقن الرقص في الوحل، وتجيد تحويل الخراب إلى نظام حياة.
بين سلطة الحبر التي تتكاثر بياناتها كما تتكاثر الظلال عند الغروب، وسلطة الحديد التي لا تعرف من لغة السياسة إلا ما تقوله البنادق والطائرات المسيّرة.
ثلاث سنواتٍ عجاف، والبلاد تهبط درجةً أخرى في سلم الهاوية.
ثلاث سنواتٍ، وما يزال البعض يعتقد أن توقيعاً إضافياً قادر على إيقاف زحف النار، بينما تواصل الجغرافيا كتابة نصها الحقيقي بالدم والدموع.
غير أن القدر لا يترك الأمم الكبرى رهينةً لهذه الثنائية البائسة.
فليس السودان محكوماً إلى الأبد بالاختيار بين بياض العاجزين ووحل المتوحشين.
ثمة طريق ثالث يغيب عن أبصار النخب، لكنه يولد دائماً من رحم المعاناة.
طريق الذين لم يتعلموا السياسة في الفنادق، لكن في مخيمات النزوح.
الذين لم تكتبهم البيانات، لكن كتبتهم التجربة بحبر الجوع والتشرد والعرق والدم.
الذين عرفوا أن الحذاء قد يتسخ وهو يمشي نحو النجاة، لكن الروح لا ينبغي أن تتسخ وهي تدافع عن الحقيقة.
هؤلاء هم وحدهم من يملكون معادلة الخلاص:
حِبرٌ لا يهرب من الميدان.
وحديدٌ لا يتحول إلى طغيان.
وأخلاقٌ لا تستقيل حين تبدأ المعركة.
إن الخروج من هذا النفق لا يبدأ من توقيعٍ جديد يُضاف إلى مقبرة التوقيعات السودانية.
ولا من صورةٍ جماعية أخرى تجمع هواة “الموز” والحالمين بالظفر والفوز، تُلتقط تحت أضواء القاعات المكيفة.
الخروج يبدأ يوم يدرك أصحاب الوجعة الحقيقية أن الوطن أكبر من بيانات النخب، وأكبر من بنادق أمراء الحرب، وحيل رجال المخابرات الماكرة.
يبدأ حين يسترد السودان صوته من الذين احتكروا الحديث باسمه.
ويبدأ حين يتحول الألم نفسه إلى قوةٍ خالقة، لا إلى بكاء ونحيب.
فالأمم لا تنهض ببياض السَّمُّور وحده.
ولا بوحل الخنازير.
إنما تنهض حين يتحول وجعها إلى بصيرة، ويتحول نزيفها إلى إرادة، وتتحول محنتها إلى موعدٍ جديد مع التاريخ.
وعندها فقط…
لن يكون السودان سؤالاً معلقاً فوق هاوية.
بل جسراً تعبر عليه شعوبه السودانية نحو فجرٍ يليق بأرضٍ لم تُخلق لتسكن الظل، لكن لتصنع الضوء.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.