“يجب علينا مقاومة العاصفة لا الهرولة أمامها.”
في ذكرى مجزرة فض الاعتصام المشحونة بالألم، لا نبحث عن الماضي لنستحضره فحسب، بل نفتش في رماده عن الجمر الذي ما زال متقداً تحت أقدام الزمن. فالثورات الحقيقية لا تنتهي حين تخفت الهتافات، ولا تموت حين يغيب أصحابها، بل تستمر ما دام هناك قلب يؤمن بالحرية، وذاكرة ترفض النسيان.
ليست كل العواصف تهب من السماء، فبعضها يسكن في أعماقنا، يتكاثر في الصمت، ويكبر كلما حاولنا أن ندفن وجعنا تحت ركام الأيام.
نحن الذين بقي فينا الوطن ولم يغادرنا، خرجنا منه منكسرين خجلاْ، لكن الوطن لم يخرج منٌا أبداْ، رغم الألم والضياع ما زلنا نحمل منافينا في دواخلنا، ونسير بين الأمكنة كأننا غرباء عنها. نعرف الشوارع بأسمائها، لكننا لا نجد فيها وجوه الأمس، ونعرف البيوت، لكن رائحتها لم تعد كما كانت لأن الصمت سكنها.
الشوق وطن آخر، وطن لا يمنح الإقامة لأحد. والحنين نهر طويل من الخسارات الصغيرة، نشرب منه كل يوم ولا يرتوي عطشنا أبداً. نتذكر رائحة الخبز عند الفجر، وضحكة الأمهات في الساحات، وأصوات الباعة في الأزقة القديمة، وظلال الأشجار التي كانت تحفظ أسرار طفولتنا. نتذكر كل شيء، لأن الوطن حين يتصدع لا يبقى منه سوى ما تحفظه الذاكرة.
وها هي الذاكرة، في كل فاتحة يونيو، تفتح أبوابها على مصاريعها، فيخرج منها الشهداء واحداً تلو الآخر، كأنهم لم يغيبوا قط. بينهم ذلك الشهيد الحاضر رقماْ وروحاْ والغائب رسماْ وجسماْ.
وتلك شهيدة حملت معها اسمها ورحلت، كأنها ابنة كل الأمهات وأخت كل الحالمين. سقط جسدها ذات يوم تحت وطأة العنف، لكن روحها أفلتت من قبضة الموت لتستقر في قلب الوطن. رحلت في ربيع العمر، حين تكون الأحلام أكثر اتساعاً من الخرائط وأكثر إشراقاً من الأفق البعيد، غير أن دمها ترك على تراب البلاد أثراً لا تمحوه المواسم.
ومنذ رحيل شهيدة الحرية والسلام والعدالة، تلك الأيقونة والرمز والوطن، لم تعد مجرد إنسانة مجهولة غابت وتسربت من دفاتر الذكرى، بل صارت معنى. وجهاً يطل من ذاكرة الثورة كلما حاول النسيان أن ينتصر، وصوتاً خافتاً يهمس في أرواح السائرين بأن الحرية لا تُمنح، بل تُصان بالتضحيات. هكذا تحولت إلى رمز يتجاوز الاسم والملامح، رمز لوطن ما زال يحلم بالنور رغم كل العواصف.
أكتب يا صديقي الثائر… لأن الحنين خنجر قديم لا يصدأ، ولأن الذاكرة إذا لم تجد من يحملها تاهت في العتمة. أكتب عن الذين غابوا وبقيت أصواتهم تتردد في الأزقة، وعن الأحلام التي حاول الرصاص إخمادها فازدادت اشتعالاً. أكتب عن امرأة شابة خرجت تحمل إيمانها بوطن أجمل، فعادت اسماً خالداً في ضمير أمة.
أكتب….عن كل شيء، عن كتائب الظل وملثمي الظلام، وخفافيش الموت، وجهاز أمن النظام، والجيش الذي خذل شبات وشباب طرقوا بابه فأغلقه في وجوههم لينتظرهم الموت خارجه.
أكتب عن مدن الخراب وهي ترفع رأسها رغم الجراح، وعن النيل الذي حفظ أسرار الشهداء الثائرين، وعن الأمهات اللواتي ودعن أبناءهن وابتلعن الدموع كي لا ينكسر الوطن. أكتب لأن الكلمات أحياناً تصبح الشكل الوحيد الممكن للمقاومة، ولأن الكتابة تحفظ ما تحاول الأيام محوه.
لقد أدمنّا الغياب حتى صرنا نتقنه، لكن بعض الغياب حضور من نوع آخر. فالشهداء لا يرحلون تماماً إنهم يغيرون أماكنهم فقط. يسكنون في الأغاني، والأناشيد، وفي الحكايات، وفي صور معلقة على الجدران، وفي قلوب الذين يواصلون السير على الطريق نفسه.
كأننا حين نحب الأوطان نصبح أقل انتماءً لأنفسنا وأكثر انتماءً للحلم. نذوب في الفكرة حتى نصير جزءاً منها، ونحملها معنا أينما ذهبنا. وحين نتعب، نتذكر أولئك الذين دفعوا أعمارهم ثمناً لها، فنستحي من التراجع.
يا صديقي، إن حبال الذاكرة تضعف مع الزمن، والصور تتلاشى شيئاً فشيئاً. وإن لم نكتب أسماءهم، ستسرقهم منا الأيام. لذلك نكتب، لا لنبكي الماضي، بل لنحرسه. نكتب كي تبقى ديسمبر مشتعلة في الوجدان، وكي تبقى وجوه الشهداء مضيئة في العتمة، وكي تبقى ست النفور أحمد بكار ورفيقات دربها، والشهيد الطفل عمرو أنس ورفاق دربه، وغيرهم من أرواح وأيقونات الثورة نجوماْ تهدي السائرين نحو فجر الحرية.المجد للشهداء الذين قاوموا العاصفة ولم يهربوا منها.المجد لثورة ديسمبر المجيدة.والمجد لوطن ما زال يتعلم، رغم كل الجراح، كيف ينهض من بين الركام ويواصل الحلم بغد جميل.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.