الحركة الإسلامية وخطاب الكراهية.. الاستثمار في الانقسام بوصفه مشروعاً سياسياً

تقرير: عين الحقيقة

لم تكن الحرب التي مزّقت البلاد مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متصارعة، بل كشفت أيضاً عن الوجه الأكثر خطورة للأزمة السياسية السودانية: توظيف الكراهية سلاحاً في معركة السلطة. وفي قلب هذا المشهد تبرز الحركة الإسلامية بوصفها واحدة من أكثر القوى السياسية ارتباطاً باستخدام خطاب الكراهية والاستقطاب والتخويف والتحريض خلال العقود الماضية وسط المكونات الاجتماعية السودانية.

منذ وصولها إلى السلطة عبر انقلاب عام 1989، لم تبنِ الحركة الإسلامية مشروعها السياسي على التوافق الوطني أو الاعتراف بالتنوع السوداني، بل اعتمدت بصورة كبيرة على تقسيم المجتمع إلى معسكرات متقابلة

فمنذ وصولها إلى السلطة عبر انقلاب عام 1989، لم تبنِ الحركة الإسلامية مشروعها السياسي على التوافق الوطني أو الاعتراف بالتنوع السوداني، بل اعتمدت بصورة كبيرة على تقسيم المجتمع إلى معسكرات متقابلة: مؤمنون في مواجهة خصوم، ووطنيون في مواجهة عملاء، وأنصار للمشروع الإسلامي في مواجهة أعدائه. وهي معادلة لم تنتج سوى المزيد من الانقسام والحروب والعداوات.

صناعة العدو.. الركيزة الأساسية

كان أحد أهم أساليب الحركة الإسلامية خلق “عدو دائم” تحتاج إليه للحفاظ على تماسك قواعدها. فعلى امتداد سنوات حكمها، لم تتوقف ماكينة التعبئة السياسية عن البحث عن خصوم جدد: الأحزاب السياسية، والحركات المسلحة، ومنظمات المجتمع المدني، والصحفيون، والناشطون، ولجان المقاومة، وحتى بعض الإسلاميين الذين اختلفوا مع القيادة.

ولم يكن هذا النهج مجرد خلاف سياسي طبيعي، بل تحوّل في كثير من الأحيان إلى خطاب يقوم على التشكيك في الوطنية والولاء للدولة والدين، بما يخلق بيئة تسمح بتبرير الإقصاء والعزل، وربما العنف السياسي.

الحرب الحالية وإعادة إنتاج الكراهية

مع اندلاع الحرب في أبريل 2023، وجدت الحركة الإسلامية فرصة جديدة للعودة إلى المشهد السياسي عبر خطاب يقوم على التخويف والاستنفار. فبدلاً من الدفع نحو حلول سياسية توقف نزيف الدم، انشغلت قطاعات واسعة من أنصارها بإعادة إنتاج سرديات الاستقطاب التي قسمت السودانيين لسنوات طويلة. وأصبح الخطاب الإعلامي لبعض المنابر المرتبطة بالإسلاميين قائماً على تصوير الصراع باعتباره معركة وجودية لا تقبل الحياد أو الحوار، وهو خطاب يسهم في إطالة أمد الحرب ويغلق الأبواب أمام أي تسوية سياسية شاملة.

الكراهية أداة للتعبئة

تعرف الحركة الإسلامية جيداً أن الخوف من الآخر وسيلة فعالة لحشد الأنصار. لذلك غالباً ما تُستدعى مفردات التخوين والشيطنة والتحريض كلما واجهت الحركة أزمة سياسية أو تراجعاً في نفوذها. وعوضاً عن تقديم مراجعات حقيقية لتجربتها في الحكم وما قادت إليه من أزمات اقتصادية وسياسية وحروب أهلية، تلجأ بعض أصواتها إلى تحميل الخصوم كامل المسؤولية، وتقديم نفسها ضحيةً لمؤامرات داخلية وخارجية لا تنتهي.

منصات التواصل.. غرفة عمليات جديدة

في السنوات الأخيرة، انتقلت معركة الكراهية إلى الفضاء الرقمي. فأصبحت آلاف المنشورات والمقاطع المصورة والرسائل المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي أدوات يومية لإعادة إنتاج الانقسام الاجتماعي. وتعتمد هذه الحملات على نشر الشائعات والمعلومات المضللة واستهداف مجموعات اجتماعية أو سياسية بعينها، بما يؤدي إلى زيادة الاحتقان وإضعاف فرص التعايش بين السودانيين. ويرى مراقبون أن هذه الممارسات لا يمكن فصلها عن إرث طويل من استخدام الإعلام أداةً للتعبئة السياسية بدلاً من كونه وسيلةً للتنوير والحوار.

الضحية الحقيقية لهذا الخطاب ليست الأحزاب السياسية ولا النخب المتصارعة، بل المواطن السوداني العادي. فكل موجة جديدة من الكراهية تعني مزيداً من الانقسام بين المجتمعات المحلية..

من يدفع الثمن؟

الضحية الحقيقية لهذا الخطاب ليست الأحزاب السياسية ولا النخب المتصارعة، بل المواطن السوداني العادي. فكل موجة جديدة من الكراهية تعني مزيداً من الانقسام بين المجتمعات المحلية، ومزيداً من الشكوك المتبادلة، ومزيداً من صعوبة بناء دولة تتسع للجميع. لقد دفعت أجيال كاملة ثمن السياسات التي قامت على الإقصاء والاستقطاب. وتشير تجارب السودان المتكررة إلى أن الكراهية قد توفر مكاسب سياسية مؤقتة، لكنها تدمر أسس الاستقرار على المدى الطويل.

السودان يحتاج إلى ما بعد الإسلاميين

يتمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه السودان اليوم في تجاوز الثقافة السياسية التي رسختها الحركة الإسلامية طوال عقود. فالأزمة ليست أزمة أشخاص أو قيادات فحسب، بل أزمة منهج قائم على احتكار الحقيقة وتصنيف المواطنين وفقاً للولاء والانتماء. إن بناء سودان جديد يتطلب القطيعة مع خطاب الكراهية والتخوين، والانتقال إلى مشروع وطني يعترف بالتعدد والتنوع، ويؤمن بالمواطنة المتساوية أساساً للحقوق والواجبات.

بعد أكثر من ثلاثة عقود من النفوذ السياسي، تبدو حصيلة الحركة الإسلامية مثقلة بالانقسامات والحروب والأزمات العميقة. وبينما يحتاج السودان اليوم إلى خطاب يوحّد الناس ويعيد بناء الثقة بينهم، لا تزال بعض دوائر الإسلاميين تستثمر في الكراهية والاستقطاب باعتبارهما أقصر الطرق إلى النفوذ السياسي. غير أن التجربة السودانية أثبتت مراراً أن ما يُبنى على الخوف والكراهية لا يمكن أن يصنع دولة مستقرة أو مستقبلاً آمناً للسودانيين.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.