في كل الحروب هناك ما يُهدم، وهناك ما يبقى صامداً. ولعل أكثر ما يبعث على التفاؤل في السودان اليوم هو هذا الإصرار الجماعي على استمرار التعليم رغم كل ما جرى ويجري.
إن انطلاق امتحانات الشهادة السودانية هذا العام حدث يحمل في طياته الكثير من المعاني؛ فخلف كل طالب جلس لامتحانه قصة معاناة، وخلف كل أسرة دفعت بابنها أو ابنتها إلى قاعة الامتحان حكاية صبر وأمل وانتظار.
لقد أرادت الحرب أن تعطل تفاصيل الحياة، وأن تفرض واقعاً استثنائياً على الجميع، لكن الطلاب أثبتوا أن الأحلام الكبيرة لا تتوقف بسهولة. فالوصول إلى هذه المرحلة لم يكن أمراً يسيراً في ظل النزوح، وفقدان الاستقرار، وتعثر العملية التعليمية في كثير من المناطق.
وما يستحق التوقف عنده أن هؤلاء الطلاب لم يكونوا يبحثون فقط عن شهادة دراسية، بل كانوا يتمسكون بحقهم الطبيعي في مستقبل أفضل. ولذلك فإن مجرد انعقاد الامتحانات يعد رسالة مهمة بأن التعليم سيظل حاضراً مهما كانت التحديات.
الأمم التي تمر بالأزمات تحتاج إلى ما هو أكثر من الحلول المؤقتة؛ فهي تحتاج إلى الحفاظ على مؤسساتها الأساسية، وفي مقدمتها التعليم، لأن ما يُفقد اليوم من فرص تعليمية قد تدفع الأجيال ثمنه لسنوات طويلة.
ومع بدء الامتحانات، يبقى الأمل أن تكون هذه الخطوة بداية لعودة الاستقرار إلى المؤسسات التعليمية، وأن يجد الطلاب البيئة المناسبة لمواصلة مسيرتهم العلمية بعيداً عن آثار الحرب وتداعياتها.
التحية لكل طالب وطالبة جلسوا على مقاعد الامتحان وهم يحملون أحلامهم رغم الظروف، والتحية لكل أسرة ومعلم أسهم في أن يصل هؤلاء إلى هذه اللحظة. فحين تستمر الدراسة في زمن الحرب، فإن ذلك يعني أن المستقبل ما زال حياً، وأن الأمل لم يغادر هذا الوطن.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.