نص في الأرض ونص في النعال: فرحة تعليم انتُزع من قبضة الحرمان

بقلم: مروة مأمون

 

صباح اليوم السابع من يونيو، وبعد ثلاثة أعوام من حرمانهم من حق التعليم، يجلس أبناؤنا لأداء امتحانات الشهادة السودانية.

ثم نُدهش أنفسنا ونحن نبتسم، ونحن نضحك، ونحن نضيء ونلمع، ونحن نفرح: كلتومة قرأت، وكلتومة كتبت، وكلتومة امتحنت.

لم يكن الفرح عادياً، ولم يكن الحرمان عادلاً، وكأن التعليم امتياز لا حق. لقد كان شعورنا طبيعياً ومشروعاً بعد ثلاثة أعوام من حرمان مقصود سبقته إرادة واضحة؛ أُغلقت خلالها مدارسنا وخُتمت بالشمع الأحمر: ممنوع باسم الدولة.

الظلم ظلمات، وليس للظلم من خصائص المادة إلا أنه غير متماسك وغير دائم؛ لا يتمدد إلى الأبد، بل ينتهي ويزول بزوال الظالم والمظلمة.

إن البهجة التي نعيشها مع أبنائنا وبناتنا اليوم طاقة إيجابية متجددة، أحيت آمالنا بمستقبل زاهر، ومدّت أحلامنا لنا ولهم.

وكأننا ذلك “الدوش” وتلك البت “سعاد”:

وأنا جاي راجع مُنتهي
لاقتني هي.. قالت تعال
كبرت كراعي من الفرح
نص في الأرض.. نص في النعال
اتلخبط الشوق بالزعل
اتحاوروا الخوف والكلام

وفي جانب آخر، هناك بيننا في الوطن “زول” آخر، كانت مشاعره استجابة مختلفة لهذا اليوم. فأرسطو ربط الفضيلة بحسن الاستجابة للأحداث، وعنده أن الفضيلة تعني إدارة المشاعر على نحو سليم. أما “الزول الآخر”، فيظن أن اليوم يوم شؤم عليه، فأقام مناحته، ولطم الخدود، وشق الجيوب، وتلا لائحته التي يحفظها عن ظهر قلب:

“أنتم تريدون الانفصال. عليكم الاستئذان عندما تأكلون، وعندما تشربون، وعندما تتنفسون. يجب ألا تتعلموا، وألا تتعالجوا، وألا تعيشوا. يجب أن تكونوا جهلاء ومرضى، ويجب أن تموتوا لتكونوا وطنيين، وعندما تكونون أنتم، إذن فأنتم انفصاليون.”

أجئ يا إخواني؟ التعليم حق من حقوق الإنسان، وهو وسيلة لا غنى عنها لإعمال بقية حقوق الإنسان.

وفي فلسفة العلوم، وتحديداً في موضوع السببية أو العلية، أي العلاقة بين الحدث وأثره، أسأل: هل يمكن لامتحانات الشهادة السودانية أن تؤدي إلى الانفصال؟ إلا إذا كانت الوحدة نفسها مربوطة بخيط عنكبوت: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.

وهذا “الزول”، بوعي أو من دون وعي، يتجاوز ثلاثة أعوام من العمر الأكاديمي لأبنائنا، ضاعت عندما قررت هذه الحكومة الظالمة حرمانهم من حقهم في التعليم.

إن وحدة السودانيين لا تأتي بالإجبار ولا بالكراهية، ولا باللون ولا بالدين ولا بالقبيلة. كما أنها لا تأتي بالجهل ولا بالمرض ولا بالدونية ولا بالتعالي.

إن وحدة السودانيين تأتي من إرادة حقيقية صادقة، ومن شعب واعٍ ومدرك لحقوقه وقادر على أداء واجباته.

وتأتي أيضاً عندما ندرك، أفراداً وجماعات، أن مشاعر الكراهية أو الحب لا ينبغي أن تكون معياراً لعدالة الدولة.

فالحقيقة أن مشاعرنا تجاه بعضنا بعضاً، حباً كانت أم كراهية، لا تعني شيئاً إذا وُجدت دولة العدالة والقانون والمساواة.

وقال الشاعر أبو القاسم الشابي:

هو الكونُ حيٌّ يحبُّ الحياةَ
ويحتقرُ الميتَ مهما كَبُرْ.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.