منذ اندلاع الحرب في السودان، عاد الجدل القديم حول دور الحركة الإسلامية والإخوان المسلمين في الحياة السياسية السودانية إلى الواجهة من جديد. وبينما يقدم أنصار التيار الإسلامي أنفسهم باعتبارهم مدافعين عن الدولة ووحدتها واستقرارها، يطرح خصومهم سؤالاً ظل حاضراً بقوة في الساحة السياسية: هل الأولوية لدى الإسلاميين هي حماية الوطن فعلاً، أم استعادة النفوذ السياسي الذي فقدوه بعد سقوط نظام عمر البشير؟
هذا السؤال لا يتعلق بالشعارات والخطابات بقدر ما يتعلق بالوقائع والنتائج. فالوطنية لا تُقاس بما يُقال في المنابر السياسية أو وسائل الإعلام، وإنما تُقاس بالمواقف التي تُتخذ عندما تتعارض مصلحة الوطن مع مصلحة التنظيم أو الحزب أو الجماعة. وهنا تكمن المعضلة التي لا تزال تثير كثيراً من الجدل بين السودانيين.
فمنتقدو الحركة الإسلامية يرون أن جزءاً كبيراً من الأزمة السودانية الحالية يعود إلى سياسات الإقصاء والاستقطاب التي سادت خلال سنوات طويلة من الحكم، والتي أسهمت، بحسب رأيهم، في إضعاف مؤسسات الدولة وتعميق الانقسامات السياسية والاجتماعية. ويقول هؤلاء إن القوى الإسلامية لم تنجح حتى الآن في تقديم مراجعة نقدية واضحة لتجربتها السياسية، الأمر الذي يجعل كثيرين يشككون في استعدادها لتقديم تنازلات حقيقية من أجل بناء توافق وطني شامل.
في المقابل، يرفض أنصار الحركة الإسلامية هذه الاتهامات، ويؤكدون أن السودان يواجه أزمة مركبة شاركت في صنعها أطراف عديدة، وأن تحميل جهة واحدة مسؤولية كل ما حدث يمثل تبسيطاً لمشكلة أكثر تعقيداً. كما يرون أن من حق الإسلاميين، مثل غيرهم من القوى السياسية، المشاركة في الحياة العامة والعمل السياسي وفقاً للقانون والدستور.
لكن بعيداً عن تبادل الاتهامات، يبقى السؤال الأهم: ماذا يحتاج السودان اليوم؟
الإجابة تبدو واضحة لدى قطاعات واسعة من المواطنين الذين أنهكتهم الحرب والنزوح والانهيار الاقتصادي. فالسودانيون لا يبحثون عن عودة هذا الطرف أو إقصاء ذاك بقدر ما يبحثون عن السلام والاستقرار والخدمات وفرصة للعيش بكرامة. المواطن الذي يقف في طابور الماء أو يعاني من انقطاع الكهرباء أو يبحث عن دواء لابنه المريض لا تشغله كثيراً صراعات النخب على السلطة، بقدر ما يشغله مستقبل بلاده وحياته اليومية.
لقد أثبتت تجارب السودان المتعاقبة أن الصراع على السلطة كان في كثير من الأحيان سبباً رئيسياً في إطالة الأزمات وتعقيد الحلول. وكلما تقدمت المصالح الحزبية على المصلحة الوطنية، كان الثمن الذي يدفعه المواطن أكبر وأكثر قسوة.
ومن هنا فإن التحدي الحقيقي أمام جميع القوى السياسية، بما فيها الحركة الإسلامية، ليس إثبات حقها في الوجود السياسي، وإنما إثبات استعدادها لتقديم مصلحة السودان على أي حسابات تنظيمية أو حزبية. فالوطن يحتاج اليوم إلى مشروع يجمع السودانيين ولا يفرقهم، ويؤسس لمرحلة جديدة تقوم على الشراكة والتوافق واحترام التنوع السياسي والفكري.
إن السؤال المطروح ليس ما إذا كان الإسلاميون يحبون الوطن أم لا، فهذه قضية ترتبط بالنوايا التي لا يعلمها إلا أصحابها. أما القضية التي يمكن للسودانيين الحكم عليها فهي الممارسات والخيارات السياسية والنتائج المترتبة عليها. فحين تُقدَّم مصلحة البلاد على المصالح الضيقة، وحين يصبح السلام والاستقرار أولوية تتقدم على الصراع على النفوذ، يمكن عندها الحديث عن مشروع وطني حقيقي.
أما إذا استمرت القوى السياسية كافة، بمختلف توجهاتها، في النظر إلى السودان من زاوية المكاسب والخسائر الحزبية، فإن البلاد ستظل تدور في الحلقة نفسها التي دفعت ثمنها أجيال متعاقبة من السودانيين.
فالوطن لا يحتاج اليوم إلى منتصر جديد في معركة السلطة، بل يحتاج إلى من ينتصر له هو أولاً وأخيراً.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.