لم تكن الحرب وحدها هي التي أنهكت سكان ولاية الخرطوم، فبينما يحاول المواطنون التعايش مع آثار الدمار والنزوح وانهيار الخدمات، يواجهون اليوم عدواً آخر لا يقل خطورة يتمثل في انتشار الأمراض وتدهور الأوضاع الصحية بصورة مقلقة. وفي أحياء كثيرة من العاصمة، أصبح الخوف من الإصابة بالمرض جزءاً من الحياة اليومية، في ظل بيئة صحية متدهورة ونقص واضح في الخدمات العلاجية والوقائية.
تنتشر الشكاوى بين المواطنين من تزايد حالات الإصابة بالأمراض المرتبطة بتلوث المياه وتراكم النفايات وضعف خدمات الصرف الصحي، فضلاً عن الأمراض الموسمية التي تجد بيئة مناسبة للانتشار مع تراجع برامج المكافحة والرقابة الصحية. ولم تعد الأسر تخشى فقط من الحصول على الغذاء أو الماء، بل أصبحت تخشى أيضاً من رحلة البحث عن العلاج عندما يمرض أحد أفرادها.
وتبدو الأزمة أكثر قسوة بالنسبة للأطفال وكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، الذين يحتاجون إلى رعاية صحية مستمرة يصعب الحصول عليها في ظل الظروف الراهنة. فكثير من المراكز الصحية والمستشفيات تعمل بإمكانات محدودة، بينما تعاني أخرى من نقص الكوادر الطبية والأدوية والمعدات الأساسية، الأمر الذي يزيد من معاناة المرضى وذويهم.
وفي الوقت الذي تتزايد فيه احتياجات السكان الصحية، يطرح مواطنون تساؤلات حول حجم الجهود المبذولة لمعالجة هذه الأوضاع. فالحرب وما خلفته من أضرار لا تعفي السلطات من مسؤولية السعي إلى توفير الحد الأدنى من الخدمات الصحية وحماية المواطنين من الأوبئة والأمراض التي يمكن الوقاية منها إذا توفرت الإرادة والإمكانات اللازمة.
إن الرعاية الصحية ليست خدمة ثانوية يمكن تأجيلها إلى ما بعد انتهاء الأزمات، بل هي حق أساسي يرتبط مباشرة بحياة الناس وسلامتهم. وعندما يعجز المواطن عن الحصول على الدواء أو الوصول إلى مستشفى قادر على تقديم العلاج المناسب، فإن ذلك لا يمثل أزمة فردية فحسب، بل يعكس خللاً أوسع في منظومة الحماية الاجتماعية والصحية.
ويزداد القلق مع الحديث المتكرر عن انتشار بعض الأمراض في مناطق مختلفة من الخرطوم، في وقت لا تزال فيه حملات التوعية الصحية محدودة مقارنة بحجم التحديات القائمة. كما أن ضعف خدمات المياه والنظافة العامة يضاعف المخاطر الصحية، خاصة في الأحياء التي شهدت عودة أعداد كبيرة من السكان بعد فترات من النزوح.
إن سكان الخرطوم الذين تحملوا أعباء الحرب والنزوح وفقدان مصادر الدخل، لا ينبغي أن يواجهوا أيضاً خطر الأمراض دون وجود استجابة صحية فعالة. فحماية المواطنين تبدأ بتوفير مياه آمنة، وخدمات نظافة مستمرة، ومراكز صحية قادرة على أداء دورها، وخطط واضحة لمكافحة الأمراض والاستجابة السريعة لأي تفشٍ وبائي.
لقد أثبتت التجارب أن المجتمعات الخارجة من النزاعات تكون أكثر عرضة للأزمات الصحية، وأن تجاهل هذا الملف يضاعف من حجم المعاناة الإنسانية. لذلك فإن أي حديث عن التعافي وإعادة الاستقرار يجب أن يضع القطاع الصحي في مقدمة الأولويات، لأن الإنسان السليم هو أساس أي عملية إعادة بناء حقيقية.
ويبقى الأمل معقوداً على أن تتحول قضية الصحة العامة إلى أولوية عاجلة، وأن تتكاتف الجهود الرسمية والمجتمعية والإنسانية لمواجهة المخاطر الصحية التي تهدد سكان الخرطوم. فالحرب أخذت من السودانيين الكثير، ولا ينبغي أن تتركهم أيضاً فريسة للأمراض التي يمكن الوقاية منها والعلاج منها إذا توفرت الرعاية والاهتمام اللازمان.
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.