الإخوان في السودان.. بين الأزمات والسياسات الخاطئة

نورا عثمان

حين يُذكر الاقتصاد السوداني اليوم، تتبادر إلى الأذهان صور الطوابير الطويلة، وارتفاع الأسعار، وانهيار العملة الوطنية، وتراجع الخدمات الأساسية، واتساع رقعة الفقر. غير أن هذه الأزمة لم تنشأ بين ليلة وضحاها، بل هي حصيلة تراكمات طويلة من السياسات الاقتصادية والإدارية التي أضعفت مؤسسات الدولة وأفقدت الاقتصاد قدرته على النمو والاستقرار.
ويرى كثير من الباحثين والمحللين أن فترة حكم الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني، التي امتدت لثلاثة عقود، تركت آثاراً عميقة على بنية الاقتصاد السوداني. فقد ارتبطت تلك المرحلة، بحسب تقارير ودراسات عديدة، بتوسع القطاع الأمني والحكومي على حساب القطاعات الإنتاجية، وتراجع الاستثمار في الزراعة والصناعة، وتنامي ظواهر الفساد وضعف الشفافية في إدارة الموارد العامة.
لقد كان السودان يمتلك مقومات اقتصادية كبيرة، من أراضٍ زراعية شاسعة وموارد طبيعية متنوعة وموقع جغرافي استراتيجي، لكن هذه الإمكانات لم تنعكس بصورة كافية على حياة المواطنين. وبدلاً من بناء اقتصاد منتج ومستدام، شهدت البلاد أزمات متكررة في النقد الأجنبي، وتراجعاً في قيمة العملة الوطنية، وارتفاعاً مستمراً في معدلات التضخم.
كما ساهمت العقوبات الدولية والعزلة السياسية التي عاشها السودان لسنوات في تعقيد المشهد الاقتصادي، غير أن كثيراً من الخبراء يرون أن العوامل الداخلية المرتبطة بأساليب الإدارة الاقتصادية كانت ذات تأثير كبير أيضاً. فضعف المؤسسات الرقابية، وتداخل المصالح السياسية والاقتصادية، وغياب التخطيط طويل الأمد، كلها عوامل أسهمت في إضعاف الاقتصاد الوطني.
وبعد سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير عام 2019، كان الأمل معقوداً على إصلاحات اقتصادية تعيد بناء الثقة وتضع البلاد على طريق التعافي. إلا أن الاضطرابات السياسية والانقسامات والصراعات التي تلت ذلك، ثم الحرب التي اندلعت في أبريل 2023، أدت إلى تفاقم الأوضاع بصورة غير مسبوقة.
واليوم، يدفع المواطن السوداني الثمن الأكبر. فالأسر تواجه صعوبة في توفير احتياجاتها الأساسية، والعاملون في الدولة يعانون من تآكل الأجور، فيما تراجعت الخدمات العامة في مجالات التعليم والصحة والكهرباء والمياه.
ولا يمكن فصل الأزمة الاقتصادية الحالية عن الحاجة إلى مراجعة شاملة للتجارب والسياسات التي أُدير بها الاقتصاد خلال العقود الماضية. فالتنمية لا تتحقق بالشعارات، وإنما عبر بناء مؤسسات قوية، وإدارة شفافة للموارد، وتشجيع الإنتاج والاستثمار، وتحقيق العدالة في توزيع الفرص والثروات.
إن السودان بحاجة اليوم إلى رؤية اقتصادية جديدة تستفيد من دروس الماضي وتتجنب أخطاءه، وتضع مصلحة المواطن في مقدمة الأولويات. فالأوطان لا تُقاس بحجم مواردها فقط، بل بقدرتها على تحويل تلك الموارد إلى حياة كريمة لمواطنيها.
ويبقى الدرس الأهم أن الاستقرار السياسي والحوكمة الرشيدة والشفافية ليست قضايا منفصلة عن الاقتصاد، بل هي شروط أساسية لأي مشروع تنموي ناجح. ومن دون معالجة جذور الأزمات التي تراكمت عبر سنوات طويلة، سيظل الاقتصاد السوداني يدور في دائرة التحديات نفسها، مهما تغيرت الحكومات والوجوه.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.