في الوقت الذي تتواصل فيه معاناة ملايين السودانيين جراء الحرب والنزوح والانهيار الاقتصادي وتعطل الخدمات الأساسية، اجتمعت كثير من القوى السياسية والمدنية السودانية في أديس أبابا بحثاً عن مخرج للأزمة الوطنية التي تهدد وجود الدولة نفسها.
ورغم أهمية اللقاء وما حققه من تقدم في بعض القضايا، إلا أنه كشف في الوقت ذاته عن واحدة من أعقد المعضلات التي تواجه العملية السياسية السودانية: هل يمكن بناء عملية سياسية جامعة في ظل إصرار بعض القوى على استبعاد الإسلاميين من أي حوار أو تسوية قادمة، وإصرار قوى أخرى على رفض إشراك القوى المنضوية تحت مظلة “تأسيس”؟
هذا الخلاف لا يتعلق بالأشخاص أو التنظيمات فحسب، بل يعكس سؤالاً أعمق ظل يلاحق السودان منذ الاستقلال: هل يمكن بناء دولة مستقرة على أساس الإقصاء والغلبة، أم أن الطريق الوحيد للاستقرار يمر عبر التوافق على قواعد مشتركة تحكم الجميع؟
بين الواقع والرغبات
مهما بلغت وجاهة المبررات التي يسوقها كل طرف، فإن السياسة لا تبنى على الرغبات وإنما على قراءة الواقع كما هو.
فالقوى المرتبطة بالحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني لم تعد كما كانت قبل سنوات. فقد تعرض المشروع السياسي الذي حكم السودان لثلاثة عقود لهزيمة سياسية واضحة بثورة ديسمبر التي أطاحت بالنظام، ثم واجه انتكاسات جديدة بعد تعثر المسار الذي أعقب إجراءات الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، كما أن الحرب الحالية لم تحقق الأهداف التي كان بعض أنصار النظام السابق يأملون في تحقيقها.
وقد أدت هذه التحولات إلى انقسامات ومراجعات داخل التيار الإسلامي نفسه، وبرزت شخصيات وتيارات مؤثرة أبدت نقداً صريحاً للتجربة السابقة ودعت إلى مراجعة أخطائها والبحث عن صيغ جديدة للمشاركة السياسية. ولذلك فإن النظر إلى هذا التيار باعتباره كتلة واحدة متجانسة لا يعكس حقيقة المشهد الراهن.
وفي المقابل، فإن القوى المنضوية تحت “تأسيس” ليست مجرد ظاهرة سياسية عابرة يمكن تجاهلها أو تجاوزها، بل تمثل واقعاً سياسياً وعسكرياً واجتماعياً قائماً في أجزاء واسعة من البلاد وله أنصاره وحواضنه ومصالحه.
إن تجاهل أي من هذين الواقعين لن يؤدي إلى الاستقرار، بل إلى تأجيل الأزمة وإعادة إنتاجها في صورة جديدة.
صراع النخب وأولويات الشعب
ثمة ملاحظة لا تقل أهمية عن كل ما سبق، وهي أن جزءاً من النخبة السياسية والثورية ما زال يتعامل مع الأزمة السودانية باعتبارها معركة تاريخية مع الإسلاميين ينبغي أن تنتهي باجتثاثهم من الحياة العامة واقتلاعهم من جذورهم.
وقد يكون لهذا الموقف ما يبرره لدى أصحابه استناداً إلى تجارب الماضي وما ارتبط بها من أخطاء وانتهاكات، لكنه يظل في نهاية المطاف تعبيراً عن صراع سياسي بين النخب أكثر من كونه تعبيراً عن أولويات المجتمع السوداني بأسره.
فالغالبية العظمى من السودانيين لا تنتمي إلى الأحزاب ولا تنخرط في السياسة الاحترافية. وما يشغل المواطن العادي اليوم ليس الانتصار الفكري لهذا التيار أو ذاك، وإنما استعادة الأمن، وعودة النازحين إلى ديارهم، واستئناف الدراسة، وتوفير العلاج، وخلق فرص العمل، وإعادة بناء ما دمرته الحرب.
إن اختزال الأزمة الوطنية في معركة ضد فصيل سياسي بعينه يحمل خطر صرف الأنظار عن التحديات الحقيقية التي تواجه السودان، وهي تحديات تتعلق ببقاء الدولة نفسها وقدرتها على أداء وظائفها الأساسية.
ماذا تعلمنا تجارب الشعوب؟
عندما خرجت جنوب أفريقيا من نظام الفصل العنصري لم يتم استبعاد البيض من العملية السياسية رغم مسؤولية النظام السابق عن عقود طويلة من التمييز والظلم.
وفي أيرلندا الشمالية شاركت أطراف ارتبطت بالنزاع المسلح في صناعة اتفاق السلام.
وفي كولومبيا انتقلت قوى حملت السلاح لعقود طويلة إلى العمل السياسي بعد تسويات ضمنت وحدة الدولة واحتكارها للقوة.
لم تكن هذه التجارب دعوة إلى نسيان الماضي أو تجاهل الانتهاكات، بل كانت إدراكاً لحقيقة بسيطة مفادها أن السلام المستدام لا يبنى على الإقصاء، وإنما على قواعد مشتركة يخضع لها الجميع.
فالمشكلة ليست في وجود هذا التيار أو ذاك، وإنما في غياب الضمانات التي تمنع أي طرف من احتكار الدولة أو استخدام العنف للوصول إلى السلطة أو البقاء فيها.
من سؤال المشاركة إلى سؤال القواعد
لقد ظل الجدل السوداني خلال السنوات الماضية يدور حول سؤال: من يشارك ومن يستبعد؟
بينما يكون السؤال الأجدر بالطرح هو: ما هي القواعد التي يجب أن يلتزم بها كل من يريد المشاركة؟
فبدلاً من تحويل العملية السياسية إلى معركة لتحديد من يملك حق الوجود، ينبغي تحويلها إلى عقد وطني جديد يحدد القواعد التي تحكم الجميع.
وبذلك تصبح المشاركة السياسية حقاً لكل من يقبل بالعمل السلمي والديمقراطي ووحدة الدولة وسيادة القانون، بينما تصبح المساءلة مرتبطة بالأفعال والجرائم الفردية لا بالانتماءات الفكرية أو السياسية.
فليس من العدالة استبعاد تيار كامل بسبب أخطاء بعض أفراده، كما أنه ليس من المقبول منح أي جهة حصانة سياسية بسبب حجمها أو نفوذها أو قوتها العسكرية.
التعقيد الدولي والإقليمي
لا يمكن تجاهل أن بعض القوى السياسية السودانية تستند في موقفها الرافض لمشاركة الإسلاميين إلى اعتبارات تتجاوز الداخل السوداني، سواء تعلق الأمر بالمواقف الدولية والإقليمية من تيارات الإسلام السياسي أو بالمخاوف المرتبطة بإمكانية إعادة إنتاج التجربة السابقة.
وهذه المخاوف لا ينبغي التقليل من شأنها أو التعامل معها باستخفاف.
لكن في المقابل، فإن بناء الاستقرار في السودان لا يمكن أن يتم وفق التصنيفات الخارجية وحدها، وإنما عبر معادلة وطنية تحقق التوازن بين متطلبات السلام والاستقرار وبين حق السودانيين في إدارة شؤونهم بأنفسهم.
ولهذا فإن الحل لا يكمن في فرض إرادة أي معسكر على الآخر، وإنما في التوافق على قواعد مشتركة تضمن عدم عودة الاستبداد من جهة، وعدم الانزلاق إلى الإقصاء من جهة أخرى.
الحوار للجميع والسلطة للمستقلين
ومن هنا تبرز فكرة قد تشكل أرضية مشتركة بين مختلف الأطراف.
وهي أن يكون الحوار الوطني شاملاً لجميع القوى السودانية المؤثرة التي تقبل بالعمل السلمي وبوحدة الدولة وبقواعد الانتقال الديمقراطي، بما في ذلك التيارات التي أجرت مراجعات حقيقية لتجاربها السابقة وأبدت استعدادها للمشاركة في بناء عقد وطني جديد.
أما السلطة الانتقالية نفسها فلا ينبغي أن تكون ساحة للمحاصصة الحزبية أو تصفية الحسابات السياسية.
بل تتولاها حكومة كفاءات وطنية مستقلة تتمتع بالنزاهة والخبرة والاستقلالية، بحيث تتركز مهمتها في إدارة المرحلة الانتقالية وإنجاز استحقاقاتها دون انحياز لأي طرف.
فمثل هذا الترتيب يخفف مخاوف دعاة الإقصاء، ويطمئن في الوقت نفسه القوى التي تخشى أن تتحول الفترة الانتقالية إلى أداة لتصفية الخصوم السياسيين.
فترة انتقالية قصيرة ومحددة المهام
لقد أثبتت التجربة السودانية أن الفترات الانتقالية الطويلة كثيراً ما تتحول إلى ساحات للصراع السياسي وتآكل الشرعية وتعطيل الإنجاز.
ولذلك فإن نجاح أي انتقال قادم يقتضي أن تكون الفترة الانتقالية قصيرة ومحددة المهام، لأنها ليست نظاماً دائماً للحكم وإنما جسر مؤقت نحو الشرعية الديمقراطية.
كما ينبغي أن يتركز برنامجها على الأولويات الوطنية العاجلة دون محاولة تحميلها جميع أزمات السودان المتراكمة منذ الاستقلال.
إصلاح مؤسسات الدولة أولوية وطنية
ومن الخطأ الاعتقاد بأن مهمة الفترة الانتقالية تقتصر على إدارة الأزمة إلى حين إجراء الانتخابات.
فالانتخابات وحدها لا تصنع دولة مستقرة إذا كانت المؤسسات التي ستشرف عليها أو تنفذ مخرجاتها تعاني من الضعف أو الانقسام أو التسييس.
ولهذا يجب أن يكون إصلاح مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية والعدلية في مقدمة مهام المرحلة الانتقالية.
ويشمل ذلك إصلاح المؤسسة العسكرية والأمنية على أسس قومية ومهنية، واستكمال الترتيبات الأمنية، وتوحيد السلاح تحت سلطة الدولة.
كما يشمل إعادة بناء الخدمة المدنية على أساس الكفاءة والجدارة، وتعزيز استقلال القضاء والنيابة والأجهزة العدلية، وإصلاح المؤسسات الاقتصادية والرقابية بما يضمن الشفافية وحسن إدارة المال العام.
غير أن هذا الإصلاح ينبغي أن يكون إصلاحاً تأسيسياً يهدف إلى بناء مؤسسات قوية ومحايدة، لا عملية انتقام سياسي أو تمكين مضاد يعيد إنتاج الأزمة بصورة مختلفة.
خمس مهام للفترة الانتقالية
إذا أردنا تلخيص البرنامج الانتقالي في حدوده الضرورية فيمكن أن يتمثل في:
أولاً: وقف الحرب وتحقيق الاستقرار الأمني.
ثانياً: معالجة الأزمة الإنسانية وتهيئة عودة النازحين واللاجئين.
ثالثاً: إصلاح مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية والعدلية.
رابعاً: إقرار ترتيبات دستورية وقانونية مؤقتة تنظم المرحلة.
خامساً: التحضير لانتخابات حرة ونزيهة تنقل السلطة إلى مؤسسات منتخبة.
أما القضايا الفكرية الكبرى المتعلقة بالهوية والدين وشكل الدولة، فينبغي أن تترك للشعب ليحسمها عبر المؤسسات المنتخبة لا عبر سلطات انتقالية محدودة التفويض.
الشعب أولاً
ولعل ما ينبغي أن تتذكره جميع القوى السياسية والمدنية والعسكرية، وهي تخوض معاركها الفكرية والسياسية، أن الشعب السوداني يعيش اليوم واحدة من أكبر المآسي في تاريخه الحديث.
فالملايين بين نازح ولاجئ، وآلاف الأسر فقدت أحباءها ومنازلها ومصادر رزقها، وأجيال كاملة تعطلت مسيرتها التعليمية، فيما تتراجع الخدمات الأساسية وتتفاقم الأوضاع المعيشية بصورة غير مسبوقة.
وفي خضم هذه الكارثة الوطنية تبدو كثير من معارك النخب حول من يقصي من، ومن يشارك ومن يستبعد، بعيدة عن هموم المواطن الذي لا ينتظر انتصار هذا المعسكر أو ذاك، بل ينتظر نهاية الحرب وعودة الحياة إلى طبيعتها.
إن الشعب السوداني لا يحتاج إلى غالب ومغلوب، بل يحتاج إلى دولة تحميه وتخدمه وتصون حقوقه.
نحو دولة القواعد
لقد دفعت بلادنا ثمناً باهظاً لصراعات الهوية والاستقطاب والإقصاء.
واليوم، بعد كل ما خلفته الحرب من دمار وتشريد وانقسام، لم يعد السؤال هو: من يحكم السودان؟
بل أصبح السؤال الأهم: كيف يحكم السودان؟
فإذا نجح السودانيون في بناء قواعد عادلة ومؤسسات قوية ومحايدة، فلن يكون وجود القوميين أو اليساريين أو الإسلاميين أو غيرهم هو المشكلة.
أما إذا ظلت الدولة رهينة لمنطق الغلبة والإقصاء، فإن الأسماء ستتغير لكن الأزمات ستبقى.
إن الطريق إلى السلام والاستقرار لا يمر عبر استبعاد هذا الطرف أو ذاك، وإنما عبر عقد وطني جديد يقوم على المشاركة، والعدالة، والإصلاح المؤسسي، والاحتكام إلى الإرادة الشعبية.
فالدول لا تبنى بالمنتصرين والمهزومين، وإنما تبنى بالمواطنين المتساوين أمام قانون واحد ومؤسسات واحدة ومستقبل واحد.
وهذه، في تقديري، هي الفرصة الأخيرة أمام السودانيين: إما بناء دولة تتسع للجميع وتحكمها القواعد والمؤسسات، وإما إعادة إنتاج الأزمة ذاتها بأسماء وشعارات جديدة.
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.