في الأوطان السليمة تُقاس قيمة الحكومات بما تمنحه لمعلميها من احترام، لا بما تملكه من أجهزة أمن أو خطب سياسية أو شعارات جوفاء. فالمعلم هو الذي يصنع الإنسان الذي يبني الدولة، ويؤسس للسلام، ويحرس الوعي من الانهيار. وحين يضطر المعلم إلى حمل مذكرة مطالب بدلاً من حمل الكتاب، فذلك ليس دليلاً على تمرد المعلمين، بل دليل على فشل السلطة في أداء أبسط واجباتها تجاه من يحملون أقدس الرسالات.
إن مذكرة معلمي ومعلمات ولاية الجزيرة ليست مجرد قائمة مطالب مالية وإدارية، وإنما هي شهادة إدانة مكتملة الأركان لسنوات طويلة من الإهمال والتسويف والتجاهل. وهي في الوقت نفسه وثيقة مسؤولة ومتزنة لم تطلب المستحيل، ولم ترفع سقف المطالب إلى ما وراء قدرة الدولة، بل طالبت بحقوق مستحقة ومعلومة ومؤجلة ظل أصحابها ينتظرونها عامًا بعد عام.
أي عدالة هذه التي تجعل المعلم ينتظر مستحقات عام ٢٠٢٣ وهو في منتصف عام ٢٠٢٦؟ وأي منطق إداري يقبل أن تُجمّد العلاوات والبدلات لسنوات بينما تتضاعف أسعار السلع والخدمات عشرات المرات؟ وكيف يُطلب من المعلم أن يؤدي رسالته في ظل أوضاع معيشية تدفعه يوميًا إلى حافة العجز والعوز؟ لقد وضعت المذكرة إصبعها على الجرح الحقيقي. فالملف المالي ليس قضية أرقام في دفاتر المحاسبين، بل قضية حياة. حين يطالب المعلم بمرتبه ومستحقاته وبدل سكنه وعلاواته، فإنه لا يطالب برفاهية، وإنما يطالب بحقه في أن يعيش إنسانًا كريمًا، وأن يطعم أسرته، وأن يصل إلى مدرسته دون أن يكون مثقلاً بالهموم والديون.
ولم تتوقف المذكرة عند الجانب المالي، بل ذهبت إلى جوهر الأزمة التعليمية نفسها. فرفض العام الدراسي المضغوط ليس موقفًا نقابيًا فحسب، بل موقف تربوي وعلمي. إن تكديس المناهج وضغط الزمن الدراسي لا يصنع تعليمًا، وإنما يصنع أوهامًا إدارية وأرقامًا زائفة. فالطالب لا يتعلم بالسرعة التي ترضي المسؤولين، وإنما بالوقت الكافي الذي يضمن الفهم والاستيعاب والنمو المتدرج للمعرفة.
أما المطالبة بتحسين البيئة المدرسية وسد النقص في الكادر التعليمي، فهي مطالب تكشف أن المعلمين لا يفكرون في أنفسهم وحدهم، بل يفكرون في مستقبل التلاميذ والطلاب. فمدرسة بلا مقاعد كافية، أو بلا مرافق صالحة، أو بلا معلمين مؤهلين، ليست مدرسة بالمعنى الحقيقي، وإنما مبنى عاجز عن أداء رسالته.
ومن المؤسف أن بعض المسؤولين ما زالوا يتعاملون مع مطالب المعلمين بعقلية التأجيل والمراهنة على الوقت. لكن التجارب أثبتت أن تجاهل الحقوق لا يلغيها، وأن المماطلة لا تصنع استقرارًا. فالاستقرار الحقيقي يبدأ من احترام الإنسان الذي يقف أمام السبورة كل صباح ليصنع أجيال المستقبل.
إن معلمي ومعلمات الجزيرة لم يهددوا المجتمع، ولم يعطلوا الدولة، ولم يحملوا إلا صوتهم ومذكرتهم. وقد منحوا السلطات فرصة واضحة ومسؤولة للرد خلال أسبوع، مطالبين بجداول زمنية معلنة وموثوقة لتنفيذ الحقوق. وهذا سلوك يعكس أعلى درجات المسؤولية الوطنية، لا أقلها.
لهذا فإن مذكرة الجزيرة تستحق دعم كل صاحب ضمير. فهي ليست معركة معلمين وحدهم، بل معركة مجتمع كامل يدافع عن حق أبنائه في تعليم محترم، وعن حق معلميه في حياة كريمة. ومن يظن أن قضية المعلمين قضية فئوية محدودة لا يدرك أن انهيار التعليم هو بداية انهيار كل شيء.
إن الرسالة التي خرجت من الجزيرة واضحة وقوية: لا يمكن بناء مستقبل مستقر على أكتاف معلمين مسحوقين. ولا يمكن الحديث عن نهضة تعليمية بينما أصحاب الرسالة أنفسهم محرومون من أبسط حقوقهم. وإن كرامة المعلم ليست مطلبًا تفاوضيًا عابرًا، بل هي حجر الأساس الذي يقوم عليه بناء الوطن كله.
لهذا كانت مذكرة معلمي ولاية الجزيرة أكثر من مذكرة؛ كانت صوت الكرامة وهي تطالب بحقها، وصوت العقل وهو يحذر من عواقب الاستمرار في تجاهل أصحاب الرسالة التي لا تقوم الأمم إلا بها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.