كلم يكن الخبر الذي خرج من رواندا مجرد خبر عابر عن توقيف أو احتجاز أو استجواب شخصية سودانية مثيرة للجدل. فسواء انتهت القصة بإطلاق سراح المصباح أبو زيد طلحة أو بمغادرته البلاد، فإن الضجة التي أحاطت بالواقعة كشفت شيئاً أعمق بكثير من تفاصيل الإجراءات الأمنية.
لقد أعادت إلى الأذهان سؤالاً قديماً ظل يطارد الحركة الإسلامية السودانية لعقود: لماذا يظهر قادتها دائماً بالقرب من ساحات التعبئة والتجنيد، ونادراً بالقرب من مشاريع السلام والتنمية؟
فبينما يتوزع ملايين السودانيين بين النزوح واللجوء والفقر والجوع، يبدو أن بعض محترفي السياسة لا يرون في هؤلاء الضحايا بشراً يحتاجون إلى الإنقاذ، بل مخزوناً بشرياً يمكن استثماره عند الحاجة. فكل معسكر لاجئين، في نظرهم، ليس مأساة إنسانية بل “فرصة تنظيمية”. وكل شاب فقد مستقبله ليس ضحية حرب، بل مشروع مقاتل مؤجل.
المفارقة الساخرة أن الحركة الإسلامية التي حكمت السودان ثلاثين عاماً لم تترك وراءها دولة مزدهرة يتدافع الناس للهجرة إليها، بل تركت شعباً يتدافع للهروب منها. ثم بعد أن فرّ الناس من ويلات الحرب والانهيار، عاد بعض رموزها يبحثون عنهم في المنافي والمعسكرات، وكأنهم يقولون: “نعلم أننا أوصلناكم إلى هنا… لكننا ما زلنا بحاجة إليكم في معركة جديدة!”
إنها علاقة غريبة بين التاجر وبضاعته. فكلما احترق الوطن، ارتفع الطلب على الشعارات. وكلما ازداد عدد اللاجئين، ازداد المعروض من الخطب الحماسية. أما الحلول الحقيقية فتبقى مؤجلة إلى إشعار آخر.
منتقدو الحركة الإسلامية يرون في واقعة رواندا رمزاً مكثفاً لهذه العقلية. عقلية لا تتعلم من الكوارث، بل تتغذى عليها. فعوضاً عن الاعتذار للسودانيين عن عقود الاستبداد والفساد والحروب، ما زالت بعض القيادات تتصرف وكأن المشكلة ليست في السياسات التي أوصلت البلاد إلى الانهيار، بل في أن هناك مزيداً من الشباب لم يتم تجنيدهم بعد.
وما يثير السخرية حقاً أن الخطاب نفسه لم يتغير. الوجوه شاخت، والبلاد انهارت، والملايين تشردوا، لكن ماكينة التعبئة القديمة ما زالت تعمل بالعقلية ذاتها. كأن التاريخ توقف عند لحظة بعيدة، وكأن السودان لم يدفع بعد ما يكفي من الدماء.
اليوم يعيش اللاجئ السوداني في المعسكر وهو يحلم بمدرسة لأطفاله، أو علاج لوالدته، أو فرصة عمل تحفظ كرامته. لكنه يفاجأ بأن بعض السياسيين لا يزالون يرون فيه رقماً في كشف تعبئة، أو مشروع مقاتل، أو أداة في صراع جديد.
ولعل أعظم مأساة في السودان ليست الحرب نفسها، بل وجود قوى سياسية لا تزال تنظر إلى الحرب باعتبارها حلاً. فكلما أغلقت البلاد باباً من أبواب المأساة، أسرعوا لفتح باب آخر. وكلما حاول السودانيون النجاة من الخراب، وجدوا من يلاحقهم بخطاب الخراب ذاته.
لهذا لم تتحول قصة المصباح في رواندا إلى مجرد حادثة أمنية عابرة، بل إلى مرآة تعكس صورة أكبر بكثير: صورة مشروع سياسي لم يتصالح مع أخطائه، ولم يراجع تاريخه، وما زال يفتش وسط ركام الوطن عن وقود جديد لمعركة قديمة.
والسؤال الذي يطرحه السودانيون اليوم ليس ماذا كان يفعل المصباح في رواندا؟ بل متى تتوقف هذه النخبة عن البحث عن مقاتلين جدد، وتبدأ أخيراً في البحث عن وطن جديد؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.