في تطور لافت يعكس حجم الضغوط الاقتصادية والسياسية التي تواجهها سلطة بورتسودان، أقرّ قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان بوجود أزمات معيشية خانقة تضرب المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش، في اعتراف نادر يأتي وسط تصاعد الغضب الشعبي بسبب تدهور الخدمات الأساسية وارتفاع تكاليف المعيشة.
غير أنّ تصريحات البرهان لم تمر دون إثارة جدل واسع، إذ رأى مراقبون أنّها حملت في طياتها محاولة للتنصل من المسؤولية السياسية عن الأوضاع الراهنة، عبر توجيه الاتهام إلى جهات أخرى بالتسبب في الفساد وصناعة الأزمات، دون أن يسمّيها بشكل مباشر.
رسم البرهان صورة قاتمة للواقع المعيشي في الولايات الواقعة تحت سيطرة الجيش، متحدثاً عن أزمات متلاحقة تشمل انقطاع الكهرباء، ونقص الوقود، وارتفاع أسعار السلع الأساسية..
اعتراف بالأزمة
رسم البرهان صورة قاتمة للواقع المعيشي في الولايات الواقعة تحت سيطرة الجيش، متحدثاً عن أزمات متلاحقة تشمل انقطاع الكهرباء، ونقص الوقود، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، إلى جانب التداعيات المستمرة للنزوح واللجوء والخسائر الاقتصادية التي خلّفتها الحرب المستمرة منذ أبريل 2023. ويأتي هذا الاعتراف في وقت تتزايد فيه شكاوى المواطنين من تدهور الخدمات العامة، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع دائرة الفقر، في ظل استمرار الحرب وتوجيه جزء كبير من الموارد نحو الإنفاق العسكري.
تحميل المسؤولية للآخرين
ورغم إقراره بحجم الأزمة، اختار البرهان توجيه انتقادات إلى أطراف قال إنها تتعمد صناعة الأزمات والفساد، وهو ما اعتبره محللون محاولة لإبعاد المسؤولية عن القيادة العسكرية وتحميلها لمكونات داخل السلطة التنفيذية أو شبكات المصالح النافذة. ويرى متابعون للشأن السوداني أن هذه التصريحات تعكس وجود خلافات مكتومة داخل مراكز النفوذ في بورتسودان، خاصة مع تزايد الانتقادات الموجهة لأداء الحكومة وعجزها عن معالجة الأزمات الخدمية والاقتصادية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.
اقتصاد الحرب وشبكات النفوذ
وبحسب مراقبين، فإن الأزمة الاقتصادية الحالية لا يمكن فصلها عن طبيعة التحالفات التي تشكلت خلال الحرب، حيث برزت مجموعات سياسية وعسكرية تمكنت من توسيع نفوذها داخل مؤسسات الدولة والقطاعات الاقتصادية الحيوية.
ويتحدث خبراء عن تنامي ما يُعرف بـ”اقتصاد الحرب”، حيث استفادت مجموعات نافذة من حالة الاضطراب الأمني للسيطرة على قطاعات مرتبطة بالاستيراد والنقل وسلاسل الإمداد، الأمر الذي ساهم في خلق اختناقات متكررة في الأسواق وزيادة أسعار السلع والخدمات الأساسية. كما يشير محللون إلى أن استمرار الحرب أدى إلى إعادة توزيع النفوذ الاقتصادي داخل مناطق سيطرة الجيش، بما خلق مراكز قوى جديدة أصبحت تمتلك تأثيراً مباشراً على حركة التجارة وتدفق السلع والموارد.
يرى خبراء اقتصاديون أن جوهر الأزمة لا يرتبط فقط بالخلافات السياسية أو التنافس بين مراكز النفوذ، بل يعود أيضاً إلى التأثيرات العميقة للحرب على الاقتصاد السوداني..
النور حمد: البرهان يواجه نتائج تحالفاته
وفي تعليق لافت على تصريحات البرهان، اعتبر المفكر والباحث السوداني الدكتور النور حمد أن قائد الجيش أصبح يواجه تداعيات التحالفات التي ساهمت في تعزيز نفوذ قوى الإسلام السياسي خلال السنوات الأخيرة. وقال حمد، في منشور على منصة “فيسبوك”، إن الأساليب التي استخدمتها الحركة الإسلامية تاريخياً في خلق الأزمات والضغوط المعيشية لإضعاف خصومها السياسيين، أصبحت اليوم ترتد على البرهان نفسه. وأضاف أن ما تشهده مناطق سيطرة الجيش من أزمات اقتصادية ومعيشية متفاقمة يعكس حالة من الصراع داخل معسكر السلطة، مشيراً إلى أن أدوات الضغط التي استُخدمت سابقاً ضد الحكومات المدنية باتت تؤثر على الحلفاء أنفسهم.
أزمة تتجاوز السياسة
ويرى خبراء اقتصاديون أن جوهر الأزمة لا يرتبط فقط بالخلافات السياسية أو التنافس بين مراكز النفوذ، بل يعود أيضاً إلى التأثيرات العميقة للحرب على الاقتصاد السوداني. فالحرب أدت إلى تعطيل قطاعات الإنتاج، وتراجع الصادرات، وانخفاض الإيرادات العامة، فضلاً عن تدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية وتعطيل النشاط التجاري والاستثماري، ما انعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين. كما ساهمت أزمة العملة الوطنية وارتفاع معدلات التضخم في زيادة الضغوط على الأسر السودانية، التي باتت تواجه صعوبة متزايدة في الحصول على احتياجاتها الأساسية.
إلى أين تتجه الأوضاع؟
يعتقد مراقبون أن اعتراف البرهان بالأزمة المعيشية يمثل مؤشراً على تصاعد الضغوط داخل مناطق سيطرة الجيش، لكنه في الوقت ذاته يفتح الباب أمام تساؤلات حول قدرة السلطة الحالية على معالجة هذه الأزمات في ظل استمرار الحرب. ويشير هؤلاء إلى أن أي معالجة حقيقية للأوضاع الاقتصادية والخدمية ستظل رهينة بإنهاء النزاع المسلح واستعادة الاستقرار السياسي، إذ إن استمرار الحرب يعني استمرار استنزاف الموارد وتفاقم معاناة المواطنين.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو تصريحات البرهان أقرب إلى اعتراف متأخر بحجم الأزمة التي يعيشها السودانيون، فيما يبقى السؤال الأهم: هل تقود هذه الاعترافات إلى مراجعة حقيقية للسياسات القائمة، أم أنها مجرد محاولة جديدة لتبادل الاتهامات داخل معسكر السلطة بينما تتواصل معاناة المواطنين؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.