الضباط المتقاعدون… العزلة وسط الجماعة

د.محمد عبد الحميد

على مدى سنوات طويلة من التدريس لطلاب الدراسات العليا، كان من بين طلابي عدد معتبر من الضباط المحالين إلى التقاعد. كانوا يأتون إلى قاعات الدراسة بانضباط لافت، واحترام واضح للمعرفة، وجدية قلما تخطئها العين. ومع ذلك ظل يراودني شعور يصعب الإمساك به أو التعبير عنه بدقة. كانوا بين الناس، لكن شيئاً ما كان يفصل بينهم وبين محيطهم. لم تكن عزلة المكان، ولم تكن عزلة العلاقات، وإنما حالة أخرى يمكن وصفها بالعزلة وسط الجماعة.
كنت ألاحظ أحياناً أن بعضهم، رغم تواضعه وحسن خلقه، يتوقع معاملة مختلفة قليلاً عن بقية الطلاب. وقد تخرج من أحدهم عبارة عابرة تكشف عن عالم كامل يستقر خلف الكلمات. أذكر أن أحدهم ضاق يوماً بتوجيه تلقاه من عميد الكلية فقال مستنكراً: “هو فاكر نفسه شنو؟ أنا كنت أترأس مؤسسة أكبر من مؤسسته هذه.”
لم أتوقف طويلاً عند العبارة يومها، لكنني أعود إليها الآن كمدخل لسؤال أكبر… ماذا يحدث للضابط عندما يغادر المؤسسة التي أمضى فيها معظم عمره؟ ولماذا تبدو عملية الانتقال من الحياة العسكرية إلى الحياة المدنية أكثر تعقيداً مما تبدو عليه في ظاهرها؟
التفسير الظاهري والسهل يقول إن الضابط يفقد السلطة أو المنصب أو الامتيازات المرتبطة بالرتبة العسكرية. وقد.يصعب عليه التأقلم مع واقع جديد يشعر فيه انه أسد منزوع الأنياب Defanged lion وفي هذا بعض الحقيقة. غير أن الواقع يشير إلى أن الأمر أعمق من ذلك بكثير خاصة إذا تم تحليل كل المسألة من منظور علم الاجتماع. حيث يؤكد هذا العلم أن الإنسان يدخل حالة تبلور تتجسد فيه الأدوار التي يصبحها أي يكونها.
وهنا تبرز أهمية نظرية الدور الاجتماعي كأداة تحليلية مهمة. فالدور وبعيدا عن الوظيفة يشكل بنية وعي الشخصية. فمن من خلاله تتشكل اللغة، وتُعاد عبره صياغة طريقة النظر إلى الذات وإلى الآخرين، ويصبح جزءاً من الوعي اليومي للإنسان. فالأب لا يمارس الأبوة فقط. والأستاذ لا يمارس التعليم فقط. والقاضي لا يمارس القضاء فقط. وكذلك الضابط لا يمارس العسكرية فقط. بعد عقود من الخدمة تصبح العسكرية جزءاً من تكوينه النفسي والاجتماعي والسلوكي والإدراكي.
ومن هنا تبدأ صعوبة التقاعد. حيث يتعسر مغادرة الوظيفة، ومغادرة دور استقر طويلاً في الوعي والسلوك والعلاقات.
على كلٍ، هناك ثمة عنصر آخر أكثر عمقاً، يمكن تسميته بالمسافة الإدراكية Cognitive Distance، وهي مسافة تتشكل داخل الوعي نفسه. على سبيل المثال قد يجلس شخصان في قاعة واحدة، ويتحدثان اللغة نفسها، وينتميان إلى المجتمع نفسه، ومع ذلك تفصل بينهما مسافة إدراكية واسعة. إنها المسافة التي تنشأ عندما تتكون خبرات البشر داخل منظومات مختلفة من القيم والتجارب والتوقعات.
وتتجلى هذه المسافة في مواقف يومية بسيطة. فالضابط المتقاعد الذي يحضر اجتماعاً لجمعية مدنية أو لجنة حزبية قد يجد نفسه أمام نقاش يدور في حلقات، ويعود إلى نقطة البداية مرات ومرات، وتتقاطع فيه الآراء دون أن يُحسم. لا يرى في ذلك ثراءً في التداول الديمقراطي، وإنما يراه (ثرثرة واجبة الحسم). ليس لأنه شخص متسلط بطبعه، ولكن لأن وعيه تشكّل داخل منظومة تعتبر الحسم فضيلة. والمدني في المقابل لا يفهم لماذا يبدو هذا الرجل مستعجلاً وغير متحمل للاختلاف. كلاهما لا يُخطئ في حكمه على ما يراه، لكن كلاً منهما يرى بعدسة مختلفة تماماً.
وهنا ناتي لنقطة في غاية الأهمية وهي أن المؤسسة العسكرية لا تُدرّب على المهارات المهنية فقط، ولكنها تُشكّل رؤية متكاملة للعالم.. بنسق متكامل من السلوك قوامه ، الانضباط، والطاعة. والحسم القاطع، والهرمية الصارمة. ومع مرور الزمن تصبح هذا النسق عدسة يرى بها الإنسان الواقع. وعندما ينتقل الضابط إلى المجال المدني، يجد نفسه أمام عالم آخر في إيقاعه وقواعده. عالم تُدار فيه الأمور بالتفاوض، وتعدد الآراء، وبطء القرار الناتج عن توازن الفاعلين المختلفين.
هنا تتشكل المسافة الإدراكية، لا كنتيجة لازدراء متبادل، وإنما كنتيجة اختلاف في تكوين التجربة ذاتها. ومن هذه المنطقة الرمادية تنشأ العزلة وسط الجماعة.. حضور جسدي داخل المجتمع، وغياب نسبي عن إيقاع نسقه الجديد.
مهما يكن من أمر، فإن السؤال المحوري يتعلق بالمؤسسة التي صاغت الفرد وجعلته بدرجة ما مغترباً عن مجتمعه. فالكلية الحربية تمتلك فعلياً برامج طويلة ومكثفة لإعداد الشاب اليافع الذي يدخلها كي يصبح ضابطاً. سنوات من التدريب والتأهيل وإعادة تشكيل السلوك وبناء الهوية المهنية. لكننا نادراً ما نتساءل عن الجهة التي تتولى الإعداد للرحلة المعاكسة.
من الذي يهيئ الضابط للعودة إلى الحياة المدنية بعد ثلاثين أو أربعين عاماً من العزلة شبه الكاملة عن نسقها؟ من الذي يساعده على الانتقال من دور إلى دور؟ من الذي يعينه على تحويل خبرته العسكرية إلى طاقة اجتماعية قابلة للاستثمار في المجال المدني؟ لا الاكتفاء بالجانب المالي أو المعاشي. وفي غياب برامج تأهيلية للعودة للحياة المدنية يُترك الضابط وحده أمام سؤال وجودي حقيقي: مَن أنا خارج رتبتي؟ وهو سؤال لم يُعدّ له أحد، ولم يتدرب على مواجهته طوال عقود من الخدمة. التقاعد في هذه الحالة لا يكون تتويجاً لمسيرة، قد يغدو أشبه بالوقوع المفاجئ في فراغ لم يُرَ من قبل.
هنا لا أطرح هذه الأسئلة لأن الضابط ضحية لمؤسسته، فالمؤسسة قامت بالمهمة التي أُنشئت من أجلها وأدت دورها في إعداد كوادرها. وإنما أطرحها لأن نجاح أي مؤسسة لا يكتمل عند لحظة صياغة منسوبيها، فذلك كان واجبها، لكن السؤال يمتد إلى كيفية إدارتها للحظة انتقالهم إلى أدوار جديدة.
فالضابط المتقاعد لا يعود إلى المجتمع كما كان يوم دخل الكلية الحربية. ذلك الشخص اختفى منذ عقود. وما يعود هو إنسان تشكّل وعيه وسلوكه وخبراته داخل مؤسسة قوية ومتماسكة. ومن هنا تبرز المسؤولية الأخلاقية للمؤسسة. ليست مسؤولية علاج أو تعويض، وإنما مسؤولية انتقال داخل علاقات الدور الاجتماعي. فكما أعدته لدور عسكري محدد، فإن من المنطقي أن تساعده على الاستعداد لدور جديد تحكمه شروط مختلفة تماماً.
وهذه المسألة تكتسب أهمية خاصة في السودان. فالسودان مقبل، عاجلاً أم آجلاً، على مهمة شاقة تتمثل في إعادة بناء مؤسساته السياسية والاجتماعية خاصة بناء مؤسسات ديمقراطية. والمؤسسات الديمقراطية بطبيعتها تختلف عن المؤسسات العسكرية في طريقة تكوينها وعملها.
لتوضيح المسألة بشكل أكثر دقة، فإن المؤسسة العسكرية تسعى إلى الاكتمال والانضباط والوضوح. أما المؤسسة الديمقراطية فتبقى دائماً مشروعاً مفتوحاً قيد البناء. إنها لا تُبنى مرة واحدة ثم تستقر إلى الأبد. هي هيكل غير مكتمل البناء كما وصفها عالم الاجتماع الألماني كلاوس أوفه. إنها مؤسسة يُعاد بناؤها كل يوم عبر المشاركة والتفاوض وقبول التعدد وإدارة الاختلاف. ولهذا قد تبدو أحياناً أقل صرامة وأكثر اضطراباً وربما (ميوعة) في نظر مَن اعتاد بيئة مؤسسية مختلفة. غير أن هذه السمة نفسها هي مصدر حيويتها.
يمكن القول إجمالاً أن المجتمع الديمقراطي لا يحتاج إلى نسخ جديدة من الثكنات. كما أن المؤسسة العسكرية لا يمكن أن تُدار بعقلية السوق أو الأحزاب أو الجمعيات المدنية. لكل مجال منطقه الخاص وقواعده الخاصة.
على كل، السودان يحتاج إلى أمر آخر… يحتاج إلى ضباط متقاعدين قادرين على الانخراط في المجتمع لا الوقوف خارجه. قادرين على الإسهام في بناء مؤسساته المدنية لا الاكتفاء بالحكم عليها. قادرين على التفاعل مع إيقاعها المختلف دون الشعور الدائم بالغربة عنه.
لكن الأمر يستدعي صراحة أكبر. فالعزلة الصامتة التي يعيشها كثير من الضباط المتقاعدين ليست قدراً محتوماً، وإنما هي في جزء كبير منها نتيجة إهمال مؤسسي ممنهج. مؤسسة تستثمر عقوداً في صياغة الإنسان ثم تُسلّمه إلى المجتمع دون تجهيز للمرحلة الجديدة، تكون قد أكملت نصف مهمتها وأخلّت بالنصف الآخر. والمجتمع الذي يستقبله دون أن يعرف كيف يوظف خبرته يكون بدوره قد أضاع رأسمالاً بشرياً نادراً.
ومهما يكن من أمر، فإن المجتمع المدني في المقابل يحتاج إلى إدراك أن هؤلاء الرجال ليسوا عبئاً عليه، وإنما رصيد بشري وخبرة وطنية تراكمت عبر عقود طويلة. فكثير من الضباط المحالين إلى التقاعد يكونون في سن العطاء الكامل، وما يحملونه من خبرة تنظيمية وإدارية ومعرفية يمثل ثروة لا يجوز تبديدها.
عند هذه النقطة تتجاوز القضية حدود التقاعد والعزلة. إنها تصبح سؤالاً عن كيفية إدارة رأس المال البشري في المجتمع، وعن قدرة المؤسسات على تحمل مسؤوليتها تجاه الذين أسهمت في تشكيلهم، وعن قدرة المجتمع على استيعاب خبراته المختلفة داخل مشروع وطني واحد.
فالنجاح الحقيقي لأي مؤسسة عسكرية لا يُقاس فقط بنوعية الضباط الذين تدفع بهم إلى الخدمة، وإنما أيضاً بنوعية المواطنين الذين تعيدهم إلى المجتمع بعد انتهاء الخدمة.
هناك، في تلك المساحة الفاصلة بين الرتبة والمواطنة، وبين الدور القديم والدور الجديد، تتحدد قدرة المجتمع على تحويل الخبرة إلى طاقة بناء، أو تركها تنزلق إلى عزلة صامتة وسط الجماعة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.