ذئاب بشرية في ثوب الإغاثة: عندما يتحول طوق النجاة إلى مشنقة لكرامة السودانيات
بقلم: نفيسة حجر
تواجه الناجيات من النزاع المسلح في السودان، داخل مخيمات اللجوء بشرق تشاد، نمطاً من الاستغلال الممنهج يمارسه من أُؤتمنوا على إغاثتهن وحمايتهن. ففي عتمة تلك المخيمات، جاء الانتهاك من قِبل موظفين أُوكلت إليهم مَهمة تقديم الدعم الطبي والإنساني حيث كشف التقرير الصادر عن منظمة “أطباء بلا حدود” عن فصل ثمانية عشر من موظفيها إثر ثبوت تسعة وخمسين انتهاكاً محتملاً يتعلق بالاستغلال والاعتداء الجنسي بين عامي 2024 و2025.
إن هذا التقرير يمثل فضيحة إنسانية مدوية وإقراراً رسمياً بوقوع جرائم اقترفتها ذئاب بشرية، وهي جرائم بشعة لا يمكن قبول تمريرها مطلقاً تحت سقف المعالجات التأديبية المغلقة.
إن مناصرة هؤلاء النساء والفتيات هي معركتنا الأولى والأساسية كقانونيين فالتقرير الصادر عن المنظمة نفسها يكشف واقعاً مخزياً قام فيه هؤلاء المعتدون بمقايضة لقمة العيش وشربة الماء وحليب الأطفال وعلاج المرضى بـ “خدمات جنسية”، مستغلين طفلات قاصرات ونساءً معدمات.
والرجوع الي التكييف القانوني الصحيح، فإن هذا السلوك ليس مجرد “غلطة إدارية” أو “سلوك غير لائق” كما تحاول اللوائح الداخلية للمنظمة توصيفه وتمييعه، بل هو جريمة “اتجار بالبشر” كاملة الأركان. فالقانون الدولي يؤكد أن استغلال ظروف الإنسان الحرجة وحالة جوعه وخوفه وعجزه الشديد هو أقوى أنواع الإكراه وسلب الإرادة، وهو ما ينطبق على الأمهات اللاتي يقعن تحت طائلة المفاضلة القسرية بين الموت بسبب الجوع والمرض، أو القبول بانتهاك الكرامة كوسيلة وحيدة للبقاء.
إن هذا الواقع المرير هو النتيجة المباشرة لغياب الحماية السيادية داخل السودان بفعل النزاع المسلح، مما ترك الفئات الأكثر هشاشة بلا غطاء يحميها في بلاد اللجوء.
وانطلاقاً من حق الضحايا الأصيل في الإنصاف القضائي وملاحقة الجناة، فإننا نرفع صوتنا عالياً للتأكيد على أن مجرد الاكتفاء بعقوبة الفصل الإداري لا يستقيم مع فداحة الجرم. إن إنهاء عقود هؤلاء الجناة وحظر توظيفهم مستقبلاً لا يتعدى كونه تدبيراً داخلياً لا أثر له في إسقاط الملاحقة الجنائية؛ فالمنظمات الدولية لا تملك ولاية قضائية تخولها تسوية الانتهاكات الجسيمة بمنأى عن العدالة العادية.
وهنا نذكّر بالقوانين الوطنية التي لا تجامل أحداً؛ فقانون الإجراءات الجنائية التشادي في مادته 41 (باعتباره قانون مكان الجريمة)، وقانون الإجراءات الجنائية السوداني لعام 1991م في مادته 34 (باعتباره قانون جنسية الضحايا)، يفرضان “واجب التبليغ الفوري” على أي جهة أو فرد يعلم بأفعال تشكّل جريمة، ويحظران التستر على الانتهاكات أو حجبها تحت ذريعة اللوائح الداخلية للعمل. ومن هذا المنطلق القانوني، فإن منظمة “أطباء بلا حدود” مطالبة اليوم بالتزام الشفافية المطلقة بشأن موقفها الإجرائي، والإفصاح الفوري عما إذا كانت قد بادرت بإخطار السلطات القضائية الرسمية بالوقائع وهويات المتورطين إذ إن أي تراخٍ في هذا الواجب يفتح الباب لإعادة تدوير هؤلاء الجناة ليفترسوا ضحايا آخرين في مناطق نزاع أخرى.
أما على صعيد القانون الدولي، فإن هذه الانتهاكات لا تُصنف كمخالفات سلوكية، بل تقع في قلب الجرائم المحظورة بموجب مواثيق “مكافحة الاستغلال والاعتداء الجنسي (SEA)” والمجرّمة وفقاً لبروتوكول باليرمو لمنع الاتجار بالبشر حيث يجرّد القانون الدولي الموظف الأممي أو الإغاثي من أي حصانة وظيفية بمجرد اقترافه جرائم جنسية، لكونها تقع خارج نطاق المهام الرسمية، ويُلزم المنظمات بـ “عدم التسامح مطلقاً” وتسهيل وصول الضحايا إلى القضاء الوطني والدولي دون مواربة.
إن كرامة المرأة السودانية ليست سلعاً معروضة للمقايضة، وليست ملفات تُطوى في تسويات الغرف المظلمة.
إننا نحث المنظمة بقوة على إبداء التعاون القضائي العلني الكامل، والمبادرة فوراً بنقل كافة مستندات التحقيق والتحري للنيابة العامة في جمهورية تشاد إعمالاً للاختصاص الإقليمي، وإلى القضاء السوداني لحماية رعاياه، لتأخذ العدالة مجراها الطبيعي والرادع ضد الجناة.
لتعلم كل جهة إنسانية أن العدالة الإدارية المعزولة هي اغتيال ثانٍ للضحايا، وأن القضاء الجنائي العلني هو خط الدفاع الأخير الذي لن نتهاون في خوض معركته لحماية حقوق وشرف وكرامة نساء السودان.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.